✍️هيا الدوسري
حين ارتكب أبوانا آدم وحواء عليهما السلام أول خطيئة في التاريخ، لم يكن العقابُ نزولًا فوريًا إلى الأرض، بل انكشاف العورة.
قال تعالى: “فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة”.
فجاء كشف الجسد نتيجةً مباشرةً للعصيان، وجاء السترُ بعدها رمزًا للتوبة والحياء. ومنذ ذلك الحين، صار الجسد العاري دلالة على الفضيحة، والستر دلالة على العفاف.
ومن هنا، تتضح العلاقة الرمزية بين الجسد والخطيئة.
الخطيئة ليست “ وجه امرأة” كما يروّج البعض، بل هي الجسد حين يُكشَف في غير موضعه عند المرأة أو الرجل على حد سواء.
فالعورة موضع الغواية، وهي ما بين الصدر والركبتين، وما زال كشفها محرّمًا في كل الديانات والأعراف، سواءً بالتصريح أو بالإيحاء عبر الضيق والشفاف.
والستر لا يُرخَّص في كشفه إلا في إطار الزواج.
أما وجه المرأة، فليس عورة، بل فتنة.
وشتّان بين “العورة” التي توصف بالعيب والفضيحة، وبين “الفتنة” التي تتعلق بالجاذبية الشخصية لا بالخطيئة الأخلاقية.
الوجه لم يكن من المناطق التي سُترت يوم خُلق الإنسان، بل ظلت العورات هي المأمور بسترها.
والتغطية الكاملة للوجه ليست فرضًا شرعيًا بنص صريح، بل تعود لاجتهادات فقهية وتقاليد اجتماعية، تختلف باختلاف الزمان والمكان والفتنة.
نعم، يجوز للمرأة تغطية وجهها إذا خشيت الفتنة، ويجوز لها كشفه إذا أمنت الفتنة، أو خافت على نفسها الأذى في بيئات لا تتقبل الغطاء الكامل.
لكنها بكل الأحوال لا تمشي عارية الجسد، حتى لو كانت في أأمن البيئات. لأن الجسد هو موضع الخطيئة، لا الرأس.
ولو تأملنا في مفهوم الفتنة، لرأينا أنها لا تتوقف على ملامح الوجه:
الصوت فتنة، الضحكة فتنة، المشي، اليدان، العطر، الأسلوب، وحتى الصمت قد يكون فتنة!
فهل يُعقل أن نحصر الفتنة في وجه المرأة فقط، ونعتبره أصل الفتن؟
ومن جميل قصص النساء التابِعيّات:
سكينة بنت الحسين رضي الله عنها، وكانت من أجمل نساء عصرها، شاعرة وأديبة.
ذكرت إحدى النساء عنها فقالت: «كانت سكينة بنت الحسين لا تنتقب، فإذا استنكروا عليها ذلك، ردّت ردًا في غاية الحكمة، فتقول: إن الله وسَمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم».
“المرأة بين الحشمة والتبرج”
في زمن أصبح فيه الجمال مشاعًا، و”الفلتر” معيارًا، تعود بي الذاكرة إلى فلسفة النقاب أو البرقع كوسيلة لا لحجب الجمال، بل لإعادة صياغته.
المرأة الجميلة بطبعها لا تلهث خلف أدوات الإبهار، تكتفي بنظرة، وتكتفي بكلمة، وربما تكتفي فقط بشعورها العميق بأنها جميلة.
بينما المرأة الأقل جمالًا، غالبًا ما تجد نفسها في سباق دائم مع التعويض، فتتفنن في حدود ما يُكشف، وتضع مهاراتها كلها في إبراز العينين بالكحل والمكياج حتى تُتقن لعبة “الجاذبية البصرية”.
عجيب هو تأثير القطعة الصغيرة من القماش!
فهي حين تغطي الوجه، تمنح النساء ساحة عدالة ظاهرية. لكن المفارقة أن بعض النساء يبدعن حين يخفين أكثر مما يبدين.
النقاب، في السابق، كان وسيلة لإخفاء عيب أو نقص، لكن مع الوقت صار أداة للغموض، ولصناعة هالة مزيّفة أو حقيقية حسب من ترتديه.
والمفارقة الأكبر: أن بعض الجميلات لا يعتنين كثيرًا بما يخفى، لأنّ داخلها ثقة راسخة بجمالٍ لا يحتاج إثباتًا، ولا متابعة خطوط الكحل.
وقديمًا، حين كانت الصالونات مقصدًا للمجهود المضاعف، لم يكن سرّ الإقبال هو الترف، بل بحثٌ محمومٌ عن الكمال المُصطنع، بدافع داخلي قد لا يُقال بصوت عالٍ: “أريد أن أبدو مثلها”.
ومثل من ترتدي النقاب للإغراء ، تلك التي ترتدي العباية الضيقة لإبراز ملامح جسدها فهي “كست جسدها وعرَّته في نفس الوقت بلبس الضيق “كما جاء في الحديث الشريف ( كاسيات عاريات ) وهي المرأة التي تلبس الضيق الذي يصف جسدها .
لكن الجمال الحقيقي لا يحتاج أن يقول أنا هنا ..
هو هادئ، ثابت، يعرف نفسه جيدًا، ويعرف كيف يُقال عنه دون أن يفرض نفسه.
حقيقة النقاب
لم يكن النقاب ؛ يُستخدم دائمًا للحشمة بالمعنى الشرعي المعروف اليوم، وإنما في بعض البيئات كان يُستعمل أحيانًا كوسيلة اجتماعية لا كقيمة دينية.
من الناحية التاريخية:
كتب الرحّالة والمستشرقين في القرون الماضية عن المجتمعات العربية والخليجية خاصة، وذكر بعضهم أن النقاب لم يكن بالضرورة مرتبطًا بالدين بل بالعرف الاجتماعي. وكان في حالات يُستخدم لتغطية تشوّه أو كِبر سن، حتى إن بعض المرويات الشعبية تقول: “النقاب ستارة العيب” أي أنه يُخفي ما لا تحب المرأة أن يُرى.
من الناحية الشعبية:
في بعض القرى والبوادي القديمة، إذا كانت المرأة كبيرة في السن أو فيها سواد أو آثار مرض في الوجه، لبست النقاب. أما الشابة الجميلة، فكثير منهن لم يكنّ ينتقبن بل يكتفين بالبرقع أو الغشوة (غطاء خفيف).
شاهد لغوي:
في التراث العربي وكتب الأدب، ذُكر أن النقاب كان رمزًا للتجمل أحيانًا ولإخفاء العيوب أحيانًا أخرى، وليس فقط للحشمة. حتى أن بعض الأشعار الجاهلية وصدر الإسلام وصفت النساء بالنقاب للدلالة على الزينة أو الإخفاء.
استفزاز
ومن أكثر العبارات التي تستفز سمعي وتؤذيني في معناها تلك التي تتردد حول تغطية الوجه: “تكشف وجهها عشان تتزوج”!
وكأن الزواج غاية المرأة الكبرى، أو أن وجهها بطاقة دعوة مفتوحة!
كم هي ظالمة هذه النظرة التي تختزلنا في مظهرٍ أو رغبةٍ أو انتظار إعجاب!
ولست بحاجة لأن أرمي النقاب في وجوه الساخرات، ولا أن أسير خلف هواهن المصطنع.
الردّ الحقيقي ليس بالغضب، بل بالثبات والوعي، بأن الستر أو الكشف لا يقيس كرامة المرأة، بل اختيارها الحرّ هو كرامتها.