ربيعة الحربي_الرياض
في إحدى الزوايا الهادئة داخل مقر الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية “بنان” الذي تنظمه هيئة التراث، يلمح الزائر ركنًا يختلف في ملامحه وألوانه وطريقة عرضه. هناك، وسط حركة الزوار وحماس الحرفيين السعوديين والدوليين، تقف الفنانة والحرفية الإيطالية ميلانيا لافيا القادمة من صقلية، تحمل بين يديها إرثًا يمتد إلى قرون بعيدة، وتجسّده في قطع دقيقة من الدانتيل والمجوهرات المصنوعة بخيوط معدنية متناهية الرقة.
ميلانيا، بملامحها الهادئة وحركتها الواثقة، تبدو كأنها لا تقدّم مجرد منتجات حرفية، بل تعرض قصة كاملة عن علاقة صقلية بالعالم العربي، وعن كيف يمكن لمدينة أوروبية أن تحتفظ ببذور ثقافة جاءت إليها منذ مئات السنين عبر البحر. تقول وهي تبتسم للزوّار الذين يتوقفون أمام أعمالها: “نحن في صقلية تعلمنا فنون الدانتيل والتطريز من العرب، وما زلنا نمارسها بذات الدقة والشغف”.
وركنها داخل المعرض لم يكن كبيرًا في المساحة، لكنه بدا لافتًا في التفاصيل. فكل قطعة معروضة تحمل انحناءة دقيقة أو زخرفة متشابكة أو خيطًا معدنيًا يلمع تحت الإضاءة، وكأنها تلتقط الضوء وتعيد صياغته في شكل فنّي خالص. كانت ميلانيا تشير بين الحين والآخر إلى سلسلة صنعتها بدمج النحاس مع الخرز والزجاج والفضة، ثم تنقل حديثها إلى أقراط صممتها من خيوط معدنية مطلية بالذهب، أو حقيبة صغيرة نسجتها بخيوط دانتيل تقليدية.
ومع وجود ركن الصين، ضيف الشرف بجواره مباشرة، بدا المشهد وكأن المعرض يجمع ثلاث قارات في مساحة واحدة: الشرق العربي الذي يحتضن “بنان”، الشرق الأقصى الذي تعرضه مشاغل الحرفيين الصينيين، وجنوب أوروبا ممثلة في ميلانيا التي جاءت محملة بتاريخ صقلية وتمازجها الطويل مع العالم العربي والمتوسطي. هذا القرب الجغرافي داخل القاعة جعل الزوار يعقدون مقارنات، ويكتشفون أن التشابه أحيانًا لا يقل جمالًا عن الاختلاف.
كانت ميلانيا تحدث زوار “بنان” عن الطريقة التي تصنع بها قطعها الفريدة، وتشرح كيف تدمج بين الأسلاك الذهبية والفضية والنحاسية مع الخرز والزجاج والأحجار شبه الكريمة، لتنتج ما تسميه “مجوهرات الدانتيل”. وتضيف أن كل تصميم تصنعه يعتمد على فنّ الدانتيل التقليدي الذي اشتهرت به صقلية، لكنه في الوقت نفسه يعبّر عن تجربتها الشخصية كفنانة معاصرة تحاول أن تُخرج الحرفة من إطارها الكلاسيكي إلى فضاء أكثر حداثة.
وعندما يُسأل عمّا تقدّمه خصيصًا لزوار “بنان”، تقول: “أحضرت قطعًا متنوعة… قلادات، أقراطًا، حقائب صغيرة، وحتى مصابيح وزينة منزلية، وكلها مصنوعة بطريقة يدويّة بالكامل. أردت أن أقدّم شيئًا خاصًا للزوّار هنا، شيئًا يشعرون بأنه قريب منهم رغم أنه يأتي من ثقافة مختلفة”.
وكانت ملاحظة ميلانيا الأكثر إثارة هي انبهارها بتفاعل السعوديين مع أعمالها. فقد أشارت أكثر من مرة إلى أن الزوار لا يكتفون بالنظر إلى القطع والتقاط الصور، بل يطرحون أسئلة دقيقة عن التقنية والمواد المستخدمة، بل ويقارنون بين ما يرونه وبين التراث السعودي في التطريز والسدو ونقوش المعادن. وتضيف: “الناس هنا يشاهدون التفاصيل… ويلاحظون التشابه بين بعض الزخارف، وهذا يسعدني كثيرًا”.
ورغم أن هذه هي مشاركتها الأولى في “بنان”، فإن الحرفية الإيطالية كانت تتحرك داخل ركنها وكأنها تعرف المكان منذ سنوات. تقول إنها فوجئت بحجم الحضور الكبير، وبالاهتمام الذي يوليه السعوديون للحرف اليدوية بمختلف مدارسها حول العالم. وتشير إلى أنها تدرس العمل على قطع مستوحاة من الثقافة السعودية، لدمجها مستقبلاً في أعمالها، بعد أن لاحظت القرب بين بعض الزخارف المتوسطية والزخارف العربية في المملكة.
ومع مرور الساعات، يتوقف عند ركنها زائرون من أعمار مختلفة: سيدات يبحثن عن قطعة تحمل طابعًا فريدًا، شباب يتابعون المهارة في الحياكة الفنية الدقيقة، وأطفال يتأملون حركة اليدين التي تحوّل خيطًا معدنيًا إلى شكل يبدو كأنه نُسِج من الضوء. وكل ذلك كان يحدث في لحظة واحدة داخل المعرض، كأن ميلانيا جاءت لتؤكد أن الحرفة ليست مرتبطة بمكان واحد، بل قادرة دائمًا على السفر والتحوّل والتداخل مع ثقافات لا تتحدث نفس اللغة لكنها تشترك في الإبداع ذاته.