الاعلامي — معلا السلمي
عندما تنتظر شروق نور يملأ روحك بالحياة وتتلهف للحظة لقاء طال انتظارها حتى تحسب الثواني وكأنها أعوام وتعيش في خيالك تفاصيل اللحظة قبل أن تأتي وترسم في قلبك فرحة لا تتسع لها الكلمات وتبني من الأمل قصورا وتفتح للنور كل نوافذ روحك وتتهيأ لاستقبال لحظات كنت تظن أنها ستعوضك عن كل ما مضى من تعب وحرمان
وفجأة ودون سابق إنذار تهبط غمامة سوداء فتحجب شروق النور وتغتال فرحة اللقاء قبل أن تولد وتطفئ في داخلك شموعا أشعلتها بلهفة الانتظار وتلقي بك في ظلام لم تكن مستعدا له وكأن الحياة اختارت أكثر اللحظات حساسية لتوجه إليك أقسى ضرباتها فتتبعثر أحلامك وتتساقط أمنياتك وتجد نفسك واقفا أمام واقع لم تحسب له حسابا وقلبك الذي كان قبل لحظات يرقص شوقا أصبح ساحة تعصف بها رياح الخيبة من كل اتجاه
ما أقسى أن تستعد للفرح بكل ما تملك من مشاعر ثم تجد نفسك فجأة في مواجهة وجع لا تعرف كيف بدأ ولا متى سينتهي وما أشد قسوة أن تهيئ قلبك لاستقبال لحظة استثنائية ثم تتحول تلك اللحظة إلى ذكرى موجعة حتى قبل أن تحدث وأن يصبح الطريق الذي كنت تراه ممتلئا بالورود ممرا موحشا تتناثر على جانبيه بقايا أحلامك المكسورة
إنها ليست مجرد لحظة ضاعت وليست مجرد أمنية تأجلت بل شيء أعمق من ذلك بكثير إنها طعنة في عمق الشعور حين تكون الروح قد بلغت أقصى درجات الاستعداد للسعادة ثم تجد نفسها مجبرة على العودة إلى نقطة الصفر محملة بخيبة لا تشبه أي خيبة سابقة
كم هو مؤلم أن تحمل في داخلك كل هذا الشوق ثم تضطر إلى ابتلاع غصتك بصمت وأن تتظاهر بالقوة بينما داخلك ينهار وأن تحاول إقناع نفسك بأن الأمر عابر في حين أن قلبك يعرف أن بعض اللحظات حين تنكسر لا تعود كما كانت مهما حاولت الأيام ترميمها
والأشد قسوة أن يظل عقلك يستعيد تفاصيل الانتظار وأن تتذكر كيف كنت تبتسم وأنت تتخيل اللقاء وكيف كنت تستبعد كل احتمال يعكر صفو فرحتك وكيف منحت الأمل مساحة واسعة في قلبك حتى صار اليقين بأن السعادة قادمة أقوى من كل مخاوفك ثم تأتي الصدمة لتخبرك أن الحياة لا تستأذن أحدا حين تقلب الطاولة على أحلامه
هناك أوجاع لا تصنعها الخسارة وحدها بل تصنعها المسافة بين فرحة كنت تلامسها بخيالك وواقع صفَعك حتى أفقدك القدرة على استيعاب ما حدث
وفي تلك اللحظة تتمنى لو أنك لم تبالغ في الانتظار ولم تمنح خيالك كل تلك المساحة ولم تجعل من لحظة واحدة وطنا لكل أحلامك لكن الأمنيات لا تعيد الزمن والندم لا يمحو ما حدث والقلوب حين تتعلق بفرحة لا تعرف كيف تتراجع عنها بقرار عابر
إن أقسى ما في الخذلان أن يأتيك وأنت في قمة صفائك وأن يداهمك الحزن حين تكون قد أعددت نفسك لاستقبال السعادة وأن تجد نفسك مضطرا إلى إطفاء كل ما أشعلته في داخلك من أمل بيدين مرتجفتين وقلب مثقل لا يعرف أين يضع كل هذا الوجع
ومع ذلك فإن الحياة تعلمنا بطريقة قاسية أن لا نربط سلامنا الداخلي بلحظة واحدة مهما كانت عظيمة في أعيننا وأن لا نجعل من انتظار الفرح سببا في إهمال أنفسنا وأن بعض العواصف مهما اشتدت لا تستحق أن نمنحها القدرة على اقتلاع ما تبقى فينا من قوة
فليس مطلوبا منك أن تنسى ما شعرت به وليس عليك أن تتظاهر بأن الألم لم يمسك وليس من الضروري أن تتجاوز كل شيء بسرعة وكأن قلبك آلة لا تتعب
يكفيك أن تعترف بأنك تألمت وأن ما حدث كان أقسى مما توقعت وأن بعض الغيوم حين تعبر سماء الروح تترك خلفها شتاء طويلا لا يعرف أحد كم يحتاج من الوقت حتى ينتهي
وستبقى الحقيقة الأشد مرارة أن بعض اللحظات لا تُقاس بطولها بل بحجم ما تحمله من أحلام وأن بعض الانتظارات لا تنتهي عند ضياع الموعد بل تبدأ بعدها حكاية أخرى من الصمت والتأمل ومراجعة النفس وأن بعض الأفراح حين تُحجب في اللحظة الأخيرة تترك في القلب أثرا أعمق من سنوات كاملة من الحزن
ومهما اشتدت العاصفة وتكاثفت الغيوم وتكسرت على صخرة الواقع كل الأمنيات تذكر أن الليل مهما طال لا يملك الشمس وأن الغيمة مهما اسودت لا تستطيع أن تمحو السماء وأن القلب الذي عرف كيف ينتظر بكل هذا الصدق يستطيع يوما أن يستعيد توازنه وإن لم يعد كما كان
فأقسى ما قد يحدث للإنسان ليس أن يحرم من لحظة كان ينتظرها بل أن يظل أسير تلك اللحظة حتى بعد أن تنتهي حكايتها