​بقلم: عبدالعزيز عطيه
​في أحياء مغلقة تعبق برائحة التاريخ والكتب الصفراء، حيث يُمنع استخدام الهواتف الذكية وتصدح تراتيل التوراة على مدار الساعة، يعيش عالم موازٍ داخل المجتمع الإسرائيلي. إنهم “الحريديم” أو اليهود المتشددون، الطائفة التي تشهد نمواً ديموغرافيا متسارعاً يثير الكثير من الجدل السياسي والاقتصادي، محولة إياهم من أقلية منعزلة إلى بيضةقبان في المشهد السياسي المعاصر.
​بين العزلة والقداسة: من هم الحريديم؟
​كلمة “حريديم” تعني بالعبرية “المرتعدين [خوفاً من الله]”، وهو لقب يختزل فلسفتهم القائمة على الالتزام الحرفي المطلق بالشريعة اليهودية (الهالاخا) وتجنب أي تنازل لصالح الحداثة أو الثقافة العلمانية الغربية. يفضل أبناء هذه الطائفة العيش في مجتمعات منغلقة، مثل حي “ميا شيراريم” في القدس أو مدينة “بني براك”، لحماية أجيالهم الناشئة من التأثيرات الخارجية.
​تنعكس هذه العزلة على المظهر الخارجي؛ فالرجال يرتدون المعاطف السوداء الطويلة والقبعات التقليدية ويحافظون على اللحى الطويلة، بينما تلتزم النساء بلباس محتشم وفضفاض مع تغطية الشعر للمتزوجات. لكن الجانب الأبرز في حياتهم اليومية هو تفرغ الرجال الكامل لدراسة التوراة والتلمود في معاهد “اليشيفا”، معتمدين غالباً على عمل النساء وإعانات الدولة، ورافضين الانخراط في سوق العمل بالطرق التقليدية.
​التناقض السياسي: الدولة التي يرفضونها ويحكمونها
​يمثل الموقف السياسي للحريديم مفارقة لافتة؛ فبينما ترفض بعض الفئات المتطرفة منهم (مثل “ناتوري كارتا”) الاعتراف بدعائم دولة إسرائيل دينياً معتبرة قيامها مبكراً بانتظار “المسيح المنتظر”، تشارك أحزاب سياسية حريدية بارزة (مثل “يهود هاتوراه” و”شاس”) في الحكومات المتعاقبة والكنيست.
​هذه المشاركة ليست عن إيمان بالصهيونية، بل هي “براغماتية دينية” بحتة تهدف إلى تأمين الميزانيات السخية لمدارسهم الدينية وحماية استقلالهم المجتمعي، وهو ما منحهم نفوذاً سياسياً هائلاً يجعلهم حلفاء لا غنى عنهم لأي رئيس وزراء يسعى لتشكيل ائتلاف حكومي مستقر.
​لغم التجنيد والاقتصاد: أزمات تتفاقم
​مع تزايد أعدادهم لتشكل نسبة بالغة الأهمية من إجمالي السكان، باتت أسئلة المستقبل تفرض نفسها بإلحاح شديد. القضية الأبرز هي “الإعفاء العسكري”؛ فبينما يُلزم القانون كل مواطن إسرائيلي بالخدمة الإجبارية في الجيش، استمر الشبان الحريديم لعقود طويلة في الحصول على إعفاءات تفرغ للدراسة الدينية. هذا الوضع أثار موجات غضب عارمة واحتجاجات واسعة من قِبل الشارع العلماني الذي يرى في ذلك عبئاً غير عادل يقع على كاهله وحده، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب.
​إلى جانب التجنيد، يبرز التحدي الاقتصادي؛ فمعدلات البطالة المرتفعة طوعاً بين الرجال وتراجع إسهامهم في الناتج المحلي الإجمالي يشكلان ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الإسرائيلي، ما يضع الدولة أمام معادلة صعبة: كيف توازن بين الحفاظ على الهوية الدينية لهذه الطائفة وبين دمجها في عجلة الاقتصاد والجيش الحديث؟
​نحو المجهول
​إن الحريديم اليوم ليسوا مجرد طائفة دينية تقليدية تحيا على هامش العصر، بل هم قوة ديموغرافية واجتماعية هائلة تعيد كتابة قواعد اللعبة السياسية في المنطقة. وسواء اتجهت الأمور نحو مزيد من الصدام مع القطاع العلماني أو نحو تسويات تدريجية، يبقى الأكيد أن مستقبل المجتمع الإسرائيلي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على التعامل مع هذا التحدي الوجودي الصامت.

اترك تعليقاً