يقاطع أحدهم باستمرار، ويصحح الآخرين، ويحاول التأكد من أن الجميع يعلمون أنه يملك الإجابة. الآن تخيّل شخصًا آخر يستمع بانتباه، ويدوّن الملاحظات، ولا يتحدث إلا عندما يكون لديه ما يضيفه من فائدة.

من المثير للدهشة أن الناس غالبًا ما يرون الشخص الثاني أكثر ثقة وكفاءة.

لماذا يكون للصمت أحيانًا تأثير أكبر من كثرة الكلام؟ لماذا يبدو بعض أكثر الأشخاص احترامًا في أي اجتماع مرتاحين لترك الآخرين يتحدثون أولًا؟

وفرانسيسكو جيل وايت في دراستهما عام ٢٠٠١ بعنوان “تطور المكانة: الاحترام الممنوح طواعية كآلية لتعزيز فوائد النقل الثقافي”، يمكن للأفراد اكتساب مكانة اجتماعية بطريقتين مختلفتين. الأولى هي الهيمنة، حيث يسعى الأفراد للتأثير على الآخرين من خلال السيطرة أو الترهيب أو لفت الانتباه.

أما الثانية فهي المكانة، حيث ينبع النفوذ من المعرفة والقدرة واحترام الآخرين.

الأشخاص الذين يعتمدون على المكانة لا يحتاجون إلى إظهار أهميتهم باستمرار. فمصداقيتهم تسمح لهم بالمساهمة دون الحاجة إلى التنافس على كل فرصة للتحدث.

أنها قد تنبع من رغبة في الحفاظ على المكانة الاجتماعية. وقد ميّزت الأبحاث في مجال تقدير الذات بين الأشخاص ذوي الثقة الراسخة بالنفس وأولئك الذين تعتمد ثقتهم بشكل كبير على الاستحسان الخارجي. جادل عالم النفس مارك كيرنيس، في بحثه “نحو تصور لتقدير الذات الأمثل”، بأن تقدير الذات السليم يتسم بالاستقرار وقلة الاعتماد على التقييم المستمر. فالأشخاص ذوو الثقة الراسخة أقل عرضة للشعور بالتهديد عندما يتحدث شخص آخر، أو يُخالفه الرأي، أو يحظى بالاهتمام. في الحياة اليومية، قد يعني هذا أن الشخص الواثق من نفسه لا يشعر بحاجة ملحة لمقاطعة زميله لإثبات معرفته، فهو يثق بأن أفكاره قادرة على إثبات نفسها.

يُنظر إلى المستمعين الجيدين غالبًا على أنهم أكثر جدارة بالثقة وأكثر مهارة اجتماعية. وقد طرح عالما النفس كارل روجرز وريتشارد فارسون مفهوم الاستماع الفعال في كتابهما “الاستماع الفعال” عام ١٩٥٧. وأوضحا أن الاستماع بانتباه للآخرين يُسهم في فهمهم، ويُحسّن العلاقات، ويبني الثقة. ويتضمن الاستماع الفعال التركيز، وتجنب إصدار الأحكام الفورية، وإتاحة الفرصة للآخرين للتعبير عن أفكارهم كاملةً قبل الرد. وبالنسبة للأفراد الواثقين بأنفسهم، قد يبدو الاستماع أمرًا طبيعيًا لأنهم يركزون على الفهم بدلًا من الدفاع عن صورتهم الذاتية. ما تخبرنا به الأبحاث حقًا عن الثقة لا يُشير علم النفس إلى أن الواثقين بأنفسهم لا يُقاطعون أبدًا، أو أن كثرة الكلام سلبية دائمًا. في بعض المواقف، قد يكون أخذ زمام المبادرة والتحدث بسرعة أمرًا مفيدًا. والأهم من ذلك، أن الثقة لا تُقاس فقط بحجم مشاركة الشخص في الحوار. تُشير الأبحاث إلى أن الثقة الراسخة غالبًا ما تترافق مع الصبر والفضول والقدرة على إتاحة الفرصة للآخرين للمشاركة.

في المرة القادمة التي يُنصت فيها أحدهم بانتباه في اجتماع بدلًا من السعي الحثيث للتحدث، قد لا يُمثل صمته نقصًا في الثقة، بل قد يعكس شيئًا أقوى، ألا وهو إيمانه بأن قيمته لا تعتمد على إثباتها باستمرار.

 

اترك تعليقاً