مستشار وإخصائي في تقويم الأداء التعليمي
ناصر بن سعد الخثلان
– يشهد قطاع التعليم الأهلي في المملكة توسعًا متسارعًا، مدفوعًا بدعم الدولة ورؤية المملكة 2030 التي جعلت القطاع الخاص شريكًا رئيسًا في تطوير التعليم. وهذه فرصة تاريخية للمستثمرين لبناء مدارس رائدة، لكنها في الوقت ذاته تفرض مسؤولية كبيرة؛ لأن المدرسة ليست مشروعًا عقاريًا، وإنما مشروع لصناعة الإنسان.
ومن المؤسف أن كثيرًا من المدارس الأهلية لا تزال تبدأ من النهاية بدلًا من البداية. فيبدأ المشروع بالمبنى، ثم تأثيثه، ثم الإعلان السريع عن الوظائف، ثم استقطاب المعلمين قبل أسابيع من بدء الدراسة، بينما تغيب الأسئلة الكبرى التي ينبغي أن تُطرح قبل وضع أول حجر.
إن أول خطوة في تأسيس أي مدرسة ناجحة ليست المبنى، وإنما دراسة الجدوى الشاملة. فالمستثمر الحكيم لا يسأل: كم سيكلفني البناء؟ بل يسأل أولًا: هل المنطقة تحتاج إلى مدرسة جديدة؟ وما حجم الطلب المتوقع؟ وما الفئة المستهدفة؟ وما القدرة الشرائية للأسر؟ ومن هم المنافسون؟ وما الميزة التنافسية التي سأقدمها؟ وما نقطة التعادل المالي؟ وما المخاطر المحتملة؟ وكيف يمكن تحقيق الاستدامة المالية لسنوات طويلة؟
ومن هنا تأتي أهمية اختيار الموقع، فالموقع ليس قطعة أرض فحسب، بل قرار استراتيجي قد يصنع نجاح المدرسة أو يحد من نموها. فسهولة الوصول، وكثافة السكان، ومستوى الدخل، واتجاهات التوسع العمراني، وسلامة الطرق، وقرب الخدمات، كلها عوامل يجب أن تُدرس بعناية. فكم من مدرسة أُنفقت عليها ملايين الريالات، ثم عانت من ضعف الإقبال لأن اختيار الموقع لم يكن مبنيًا على دراسة علمية.
وبعد التأكد من الجدوى الاقتصادية وصحة الموقع، تبدأ المرحلة الأهم، وهي بناء الهوية الفكرية للمدرسة. فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا سنُدرِّس؟ بل: أي إنسان نريد أن نُخرِّج؟ وما الشخصية التي نسعى إلى بنائها؟ وما القيم التي سنغرسها؟ وما الذي سيميز هذه المدرسة عن غيرها؟
من هذه الفلسفة تنبثق الرؤية والرسالة والقيم، ثم تُبنى الخطة الاستراتيجية بأهدافها الكبرى ومبادراتها ومؤشرات أدائها، لتصبح المدرسة مؤسسة تعرف إلى أين تتجه، وكيف تقيس نجاحها، ومتى تعيد تصحيح مسارها.
ثم تأتي مرحلة الحوكمة، وهي المرحلة التي يغفل عنها كثير من المستثمرين. فقبل تعيين أول موظف يجب أن تكون هناك سياسات واضحة، ولوائح منظمة، وإجراءات مكتوبة، وأدلة تشغيل، ومصفوفة للصلاحيات، وإدارة للمخاطر، ووصف وظيفي دقيق لكل منصب، حتى تصبح المؤسسة قائمة على النظام لا على الاجتهادات الشخصية.
وفي عصر التحول الرقمي، لا ينبغي أن تُعامل التقنية على أنها برامج للحضور والانصراف والدرجات فقط، بل يجب أن تكون العمود الفقري للمدرسة منذ يومها الأول. فأنظمة معلومات الطلاب، وإدارة التعلم، والموارد البشرية، والمالية، ولوحات المؤشرات، وأدوات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تُبنى ضمن التصميم الأول للمشروع، لأن المدرسة التي تُدار بالبيانات تتخذ قرارات أكثر دقة، وتكتشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى أزمات.
وبعد اكتمال هذه المنظومة، يُصمم المبنى ليخدم فلسفة المدرسة ورسالتها، لا أن تُجبر المدرسة على التكيف مع مبنى صُمم بمعزل عن أهدافها. فالتصميم المعماري ينبغي أن يكون ترجمة للرؤية التعليمية، لا مجرد استجابة لمخطط هندسي.
ثم يأتي اختيار القيادات، وهو من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل المدرسة. فالقيادة ليست وظيفة تُشغل، بل هي من تصنع الثقافة المؤسسية، وتحوّل الرؤية إلى واقع. وبعد اختيار القيادات تُستقطب الكفاءات التعليمية والإدارية وفق معايير دقيقة، ثم تخضع جميعها لبرنامج تأسيسي مكثف يعرّفهم بثقافة المدرسة، وأنظمتها، وأساليب العمل فيها.
وقبل استقبال أول طالب، ينبغي تنفيذ تشغيل تجريبي تُختبر فيه جميع الإجراءات والأنظمة والسيناريوهات اليومية، ويُعالج كل خلل قبل أن ينعكس على تجربة الطالب أو ولي الأمر.
إن المدرسة الناجحة لا تُقاس بعدد فصولها ولا بفخامة مبناها، وإنما بقدرتها على إنتاج تعلم حقيقي، وصناعة شخصية متوازنة، وتحقيق نتائج مستدامة عامًا بعد عام. وهذا لا يتحقق بالعشوائية أو الارتجال، بل بمنهج علمي واضح يبدأ بدراسة الجدوى، ثم اختيار الموقع، ثم بناء الفلسفة التعليمية، ثم الرؤية والرسالة، فالاستراتيجية، فالحوكمة، فالتقنية، فالتصميم، فالقيادات، فالكفاءات البشرية، فالتدريب، فالتشغيل التجريبي، وأخيرًا استقبال الطلاب.
هذه هي المدارس التي تصنع الفارق، وتجذب أولياء الأمور بثقتهم قبل أن تجذبهم بإعلاناتها، وتحافظ على نجاحها لأنها بُنيت على أسس راسخة لا على حلول مؤقتة.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل مستثمر جديد في التعليم هي أن المدرسة ليست مشروعًا لبناء مبنى، وإنما مشروع لبناء أجيال. ومن أراد أن يترك أثرًا حقيقيًا في التعليم، فليبدأ من حيث تبدأ المؤسسات العظيمة: من الفكرة قبل الحجر، ومن الإنسان قبل الجدران، ومن النظام قبل الأشخاص، ومن الرؤية قبل التنفيذ.