حصــــة الزهراني حصــــة الزهراني

بقلم/ حصــــة الزهراني

ثمة أماكن لا تُقاس بمساحتها، بل بما تتركه في الروح من أثر. أماكن تتوارى خلف الستار، وتتشكل من أزمات الإنسان وحكاياته، من أفراحه واتراحه، فإذا دخلها الإنسان خرج منها بصورة مختلفة عمّا كان عليه. هناك حيث تتعانق الفكرة مع الخيال، ويتحول الصمت إلى لغة، وتصبح المشاعر جسوراً تعبر بين القلوب دون استئذان.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية، يبقى بناء الإنسان هو الرهان الأهم، وتبقى الفنون إحدى أكثر الأدوات قدرة على تهذيب الذائقة، وتوسيع الأفق، وصناعة الوعي. ولعل من بين تلك الفنون جميعاً، يقف المسرح في مكانة استثنائية؛ لأنه الفن الذي يجمع الكلمة والصورة والصوت والحركة في لحظة إنسانية واحدة، ويحوّل الخشبة إلى مرآة يرى المجتمع فيها نفسه، ويتأمل من خلالها واقعه واحلامة.

ومن هذا المنطلق، وجدت نفسي خلال أحد الورش التي نظمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية أتأمل المشهد المسرحي السعودي وما يشهده من حراك متسارع، لا بوصفه نشاطاً ثقافياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً يُعاد تشكيله أمام أعيننا، وتُكتب فصوله بخطى واثقة نحو المستقبل.

ومع توالي تلك الليالي والخوض في اغوار فن المسرح، وبين الحضور والأحاديث والشغف المتبادل، لمست حجم الحلم الذي يسكن قلوب المهتمين بهذا الفن، ورأيت كيف يمكن لفكرة صغيرة أن تتحول إلى مشروع، وكيف تستطيع الموهبة حين تجد بيئة داعمة أن تفتح أبواباً واسعة للإبداع.

ولطالما أثارت الهيئة إعجابي بما تقدمه من تنظيم وتخطيط، وما تبذله من جهود في بناء منظومة مسرحية وفنية أكثر نضجاً واتساعاً. وخلال اللقاء، برزت أمامي صورة المسرح الحقيقية؛ فالمسرح ليس ممثلاً يقف تحت الأضواء فحسب، وليس ستارة تُفتح ثم تُغلق مع نهاية العرض، بل منظومة متكاملة تبدأ من الفكرة الأولى، وتمتد إلى الكاتب والمخرج والممثل، مروراً بالإضاءة والصوت والإنتاج وإدارة الخشبة، وصولاً إلى الجمهور الذي يمنح العمل حياته الأخيرة.

ومع ما تحقق من إنجازات تستحق الإشادة، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي تركيزاً أكبر على استقطاب أصحاب الشغف الحقيقي بالمسرح وتمكينهم. فالفنون لا تزدهر بكثرة المشاركين بقدر ما تزدهر بوجود المؤمنين برسالتها، أولئك الذين ينظرون إلى المسرح باعتباره مشروعاً ومساراً مهنياً ورسالة ثقافية، لا مجرد تجربة مؤقتة تنتهي بانتهاء البرنامج أو الورشة.

ومن هنا يبرز تساؤل أراه مشروعاً عند الحديث عن برامج التأهيل والتدريب المسرحي. فإذا كانت هذه البرامج تهدف إلى بناء مستقبل المسرح السعودي، فمن الطبيعي أن يكون أبناء وبنات الوطن هم المستفيد الأكبر منها. فالاستفادة من الخبرات العالمية ضرورة مهمة لنقل المعرفة والتجارب المتقدمة، غير أن الاستثمار الحقيقي يبقى في الإنسان السعودي، وفي تأهيله وتمكينه ومنحه الأدوات التي تجعله قادراً على المنافسة والإبداع.

كما أن نجاح البرامج التدريبية لا يقاس بعدد الملتحقين بها، بل بالأثر الذي تتركه فيهم. ولذلك فإن من المهم أن تصل الفرص إلى الجادين، إلى أولئك الذين يملكون الرغبة الحقيقية في العمل والإنتاج والإبداع داخل هذا القطاع. فكل مقعد تدريبي يُمنح لموهبة سعودية مؤمنة بما تفعل، هو استثمار طويل الأمد في مستقبل المسرح الوطني. وحين تجتمع الموهبة مع التأهيل، والشغف مع الالتزام، تتحول الورش والدورات من فعاليات عابرة إلى مصانع حقيقية للكفاءات وصناعة القادة والمبدعين.

ولعل أكثر ما أترقبه شخصياً هو ازدهار مسرح الطفل؛ ذلك العالم الساحر القادر على أن يزرع الفرح في القلوب الصغيرة، ويغرس القيم بطريقة محببة، ويمنح الخيال مساحة رحبة للنمو. وأتمنى أن يأتي يوم أصطحب فيه ابني فيصل بشكل دوري إلى عروض مسرحية مُعلنة وواضحة، نابضة بالحركة والخيال والجمال، ومصممة لتحتضن الأطفال على اختلاف قدراتهم واحتياجاتهم.

فالمسرح بالنسبة للطفل ليس مجرد عرض يُشاهد، بل نافذة يطل منها على عالم أوسع، وجسر يعبر به نحو المعرفة والوعي والجمال. وهو مساحة يتعلم فيها الإنصات، ويكتشف فيها ذاته، ويتعرف من خلالها على الآخرين. هناك، تحت وهج الأضواء وبين تفاصيل الحكاية، يمكن أن تُولد أحلام كبيرة في قلب صغير، ويمكن لفكرة جميلة أن ترافق الطفل سنوات طويلة من عمره.

وبين حاضر واعد ومستقبل أكثر إشراقاً، تقف هيئة المسرح والفنون الأدائية أمام فرصة تاريخية لصناعة جيل مسرحي سعودي قادر على المنافسة والإبداع، جيل لا يكتفي بالحضور في المشهد، بل يصنع المشهد نفسه ويقوده. جيل يحمل هويته بثقة، وينفتح على العالم بوعي، ويترك على خشبة المسرح أثراً يليق بهذا الوطن وطموحه.

فالمسرح في جوهره ليس مجرد فن يُمارس، بل ذاكرة تُصنع، وهوية تُروى، ورسالة حضارية تعبر من جيل إلى جيل. وكلما أُتيحت الفرصة للمواهب السعودية الجادة أن تتعلم وتبدع وتقود، ازداد المشهد المسرحي ثراءً، واقتربنا أكثر من يوم تصبح فيه خشبات المسارح السعودية مناراتٍ للمعرفة والجمال والإبداع، تُضيء الطريق للأجيال القادمة كما يليق بوطنٍ جعل من الطموح ثقافة، ومن الحلم مشروعاً للمستقبل.

وأخيرًا.. نريد مسرحًا نابضًا بالحياة؛ فالمسرح ليس فنًا عابرًا، بل أبو الفنون وملتقى الإبداع الإنساني. ومن هنا صنع أحمد شوقي مجده الأدبي، ليصبح رائد المسرحية الشعرية العربية وصاحب الأعمال الخالدة التي ما زالت حاضرة في الوجدان العربي.

 

اترك تعليقاً