بقلم الإعلامي صالح المحجم

ليست كل الوجوه المبتسمة تحمل في قلبها صفاء النوايا، وليست كل الأيدي الممدودة نحونا جاءت لتعيننا على الوقوف. ففي رحلة الحياة نلتقي بأشخاص يقتربون منا حتى نظن أنهم جزء من قوتنا، ثم نكتشف متأخرين أنهم كانوا مجرد عابرين يتدفؤون بالقرب من نجاحاتنا دون أن يفرحوا بها حقًا.

المؤلم في الخذلان ليس الحدث نفسه، بل هوية من يصنعه. فالأذى القادم من بعيد يبقى أذى عابرًا، أما الأذى الذي يأتي من دائرة الثقة فإنه يترك أثرًا أعمق من أن يُنسى بسهولة. لأنه لا يصيب القلب وحده، بل يهز الصورة التي رسمناها للناس من حولنا، ويجعلنا أكثر حذرًا في منح مشاعرنا وثقتنا.
بعض الأشخاص لا يقفون في طريقك بشكل مباشر، ولا يعلنون عداءهم صراحة، لكنهم يمارسون دورًا أكثر خفاءً. يقللون من أحلامك حين تتحدث عنها، ويستصغرون إنجازاتك حين تحققها، ويزرعون الشك في نفسك كلما اقتربت من هدفك. لا يفعلون ذلك بضجيج واضح، بل بأساليب ناعمة يصعب الانتباه إليها في بدايتها، حتى تجد نفسك مع مرور الوقت تحمل أثقالًا لم تكن لك في الأصل.
والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في وجود مثل هؤلاء الأشخاص، فالحياة لا تخلو منهم، وإنما في منحهم مساحة أكبر مما يستحقون. فالثقة قيمة ثمينة لا ينبغي أن تُمنح إلا لمن أثبتت المواقف صدقه، لأن الكلمات مهما كانت جميلة تبقى أقل شأنًا من الأفعال.
ومع النضج يدرك الإنسان أن العلاقات لا تُقاس بالقرب، بل بالمواقف. فكم من شخص بعيد كان أوفى من قريب، وكم من رفيق طريق تراجع عند أول اختبار. لذلك فإن الحكمة ليست في أن نغلق أبواب قلوبنا، بل في أن نحسن اختيار من نسمح لهم بالدخول إليها.
وفي النهاية، ليست الغاية أن نحمل الضغينة لأحد، بل أن نرى الناس على حقيقتهم دون مبالغة في التوقعات. فبعض العلاقات لا تأتي لترافقنا طوال الطريق، وإنما لتمنحنا درسًا نتعلم منه. وأهم تلك الدروس أن الاتكال على النفس بعد الله هو الحصن الأقوى، وأن النجاة الحقيقية لا يصنعها الآخرون لنا، بل نصنعها نحن بإرادتنا ووعينا وحسن تقديرنا لمن يستحق البقاء في حياتنا.

اترك تعليقاً