صالح الصواط – مكة المكرمة

في كل مجتمع نجد شخصيات تحمل في ظاهرها اللطف والود، لكنها في الخفاء تحمل وجهًا آخر مليئًا بالمكر والتلون. أصحاب الوجهين ليسوا مجرد أشخاص يختلفون في آرائهم، بل هم أولئك الذين يتقنون ارتداء الأقنعة، فيظهرون لكل طرف ما يرضيه، وينقلون الكلام بين الناس، ويشعلون نار الفتنة، ثم يقفون متفرجين على ما أحدثوه من خراب.

ذو الوجهين يعيش بلا مبدأ ثابت، فتجده معك إذا كنت قويًا، وضدك إذا ضعفت، يمدحك أمامك، ويطعن فيك خلف ظهرك، ويجامل من أجل مصلحة، ويتقلب حسب الظروف والمكاسب. وهذه الصفة من أخطر الصفات التي تهدم الثقة بين الناس، وتقطع أوصال العلاقات، وتزرع الشك والعداوة في القلوب.

وقد حذر القرآن الكريم من هذا الصنف من البشر، فقال الله تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، وهي صورة واضحة لمن يغيّر مواقفه بحسب من يجلس معه، فلا يملك صدقًا ولا ثباتًا.

كما قال سبحانه:

﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]، أي وعيد شديد لكل من يطعن في الناس ويغتابهم ويؤذيهم بالكلام والإشارة واللمز.

وفي السنة النبوية جاء التحذير أشد وأوضح، حيث قال رسول الله ﷺ :

«من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه».

فالنبي ﷺ وصفه بأنه من شر الناس، لأن خطره لا يقف عند حدود الكذب أو النفاق، بل يمتد إلى إفساد العلاقات، وهدم الثقة، وإشعال الخلافات بين الأهل والأصدقاء والزملاء.

وأخطر ما في أصحاب الوجهين أنهم يلبسون ثوب الطيبة والبراءة، بينما يحملون في داخلهم الحسد والغيرة وحب السيطرة، فلا يطيقون رؤية النجاح عند الآخرين، ولا يحتملون أن تكون لأحد مكانة أو قبول، فيسعون إلى تشويه الصورة، وتحريض الناس، ونقل الكلام بطريقة ملتوية، حتى يظهروا وكأنهم الأبرياء وهم أصل المشكلة.

إن المجتمعات لا يفسدها العدو الواضح بقدر ما يفسدها المنافق المتلون، لأن الناس تعرف كيف تتعامل مع العدو، لكنها قد تنخدع بمن يظهر المحبة وهو يخبئ العكس. ولهذا فإن الحكمة تقتضي ألا يُعطى كل شخص ثقة كاملة، وألا تُنقل الأسرار لكل أحد، فليس كل مبتسم صادقًا، وليس كل قريب وفيًا.

ويبقى الصادق واضحًا لا يحتاج إلى أكثر من وجه واحد، لأن الصدق لا يتغير، أما أصحاب الوجهين فيتعبون من كثرة الأقنعة، وتسقط حقيقتهم مهما طال الزمن،فالكذب مؤقت، أما الحقيقة فلابد أن تظهر يومًا ما .

اترك تعليقاً