بقلم: قماشة العويدان

أعشقُ عزلتي، لا لفراقِ الناس، بل لقربٍ أعمقَ من روحي. في هدوئها أُناجي قلبي، وأحاورُ ذاتي، بعيدًا عن ضجيجِ عالمٍ لا يكفّ عن الصراخ. لم تكن عزلتي هروبًا، بل احتضانًا مؤلمًا لحقيقةٍ تأخرت: أن بعضَ الخيباتِ تمنحُنا أجنحة.

بعد صدماتٍ متتاليةٍ ممن سقيناهم صافيَ حبّنا، أدركتُ أن العزلة قد تكون رداءً شفافًا لا يُخفي الجرح، لكنه يعلّمنا كيف نتنفس بهدوء. كان قلمي ودفترتي الصامتة، وهاتفي الناطق بذكرياتي، هم الرفقاء الأوفياء؛ احتضنوا وجعي حين خانني الأصحاب، وداووا جراحًا سببتها أيدٍ كنّا نظنّها دافئة. صارت حروفي ضماداتٍ لا تلتئم إلا حين أخطّها، وفي كل سطرٍ متنفسٌ أُريح فيه صدري.

هناك وجعٌ يلامس سويداء القلب، فيبكي صامتًا، وينطفئ بهدوء. بكى قلبي حتى كاد يتوقف، غير أن عيني تعلّمت التجلّد. وفي ذروة الانكسار، لم أجد أقوى من القرب إلى الله تعالى ؛ فهو الجبّار الذي لا يُكسر جبرُه، ولا يُردّ بابُه.

في العمل التطوعي وجدتُ نفسي الضائعة؛ هناك انمحَت كل خيبة، واشتدّ عودي. أدركتُ أن ألم الماضي كان ضروريًا كالنار للذهب، وأن الأمل الأجمل هو ما نصنعه بأيدينا عبر فعل الخير. إن غرسَ بذور العطاء في قلوب الأجيال ليس رسالةً فحسب، بل إرثٌ باقٍ. والله رب العالمين مع الذين يمشون في حاجة أخيهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

لذّةُ قضاء حوائج الناس لا يذوقها إلا من عرف الحرمان. ونصيحتي: كونوا نقاءً يمشي على الأرض، وعطاءً بلا حدود، وحبًا لا ينتظر ردًا. حتى إذا رآكم الرائي قال بقلبٍ مطمئن:
ما زالت الدنيا بخير… ما دام فيكم خير.

اترك تعليقاً