بقلم: الإعلامية نورة شعيل السبيعي

إن الجوهر الحقيقي للعلاقات الإنسانية يتأرجح بين مرجعيتين متناقضتين: مرجعية الفطرة القائمة على ميثاق التعارف الإلهي، ونزعة المنفعة القائمة على حسابات المصلحة الضيقة. فحين قرر الحق سبحانه أن يجعل البشر شعوباً وقبائل ليتعارفوا، لم يكن ذلك مجرد دعوة للتعارف السطحي، بل كان تأسيساً لقيمة التجسير الإنساني؛ حيث يصبح الفرد وسيطاً للخير ومفتاحاً لفتح الآفاق للآخرين بملء إرادته وعطائه، إيماناً بأن عمارة الأرض تقوم على تلاقي العقول والخبرات لا على احتكارها.

غير أن المشهد الاجتماعي يفرز أحياناً نماذج بشرية استبدلت هذا النبل بفلسفة التسليع، حيث تتحول العلاقة والخدمة إلى سلعة خاضعة للمساومة. فيظن البعض أن حجب علاقاتهم أو منع تعاونهم إلا بمقابل هو نوع من الذكاء أو صيانة للمكانة، بينما هو في حقيقته تجلٍّ لعقلية الندرة وفقر النفس؛ ذلك الفقر الذي يخشى من فوات الفرص أو تقاسم الأرزاق.

إن الصدام الذي يحدث حين يواجه الشخص المبادر بالعطاء صدوداً ممن يتعاملون بالمنطق النفعي ليس مجرد خيبة أمل عابرة، بل هو كاشف لتباين المقامات الوجودية. فالمبادر الذي يقدم الناس لبعضهم بوضوح وفروسية ينطلق من مقام الاستغناء بالله؛ وهو مقام يجعل الإنسان يرى نفسه قناة لتدفق الفضل لا مستودعاً لحجبه، مستمداً كفايته من إيمانه بأن الرزق واسع، وأن طرق الأبواب الكبيرة بفضل الله تغنيه عن الالتفات للمترددين أو المساومين.

وفي المقابل، نجد أن من يرهن تعاونه بالمصلحة يعيش سجين خوف الفوات، فيبني الحواجز بدلاً من الجسور، غافلاً عن أن الكبار ومن حققوا السيادة الفعلية هم غالباً الأكثر انفتاحاً وتعاوناً؛ لأنهم يدركون أن القيمة الحقيقية تكمن في صناعة الأثر وتسهيل السبل للآخرين.

لذلك يظل التعاون الفطري الخالص هو العملة الصعبة التي لا يملكها إلا الأغنياء نفسياً؛ أولئك الذين وضعوا أيديهم مع مُسبِّب الأسباب قبل البشر، واستشعروا معية الله في كل خطوة، فصارت عطاءاتهم نابعة من قوة لا من ضعف، ومن كفاية لا من عوز.

ومن أكرمه الله بأن يكون سبباً في نفع الناس وتعريفهم ببعضهم البعض فقد حاز مرتبة رفيعة تتجاوز حسابات الأخذ والعطاء المادية. فمن استغنى بالله وجد أن الأبواب التي أُغلقت لم تكن إلا امتحاناً ليقينه، ليكتشف في نهاية المطاف أن آفاق الله الرحبة تفتح لمن فتح قلبه ويده للناس، متجاوزاً صغائر النفوس التي تظن أنها تملك نفعاً أو ضراً، بينما الحقيقة أن العزة والتمكين هما ثمرة الإخلاص لله

اترك تعليقاً

You missed

​مدير العلاقات العامة بـ صالون الدمام الثقافي أبو فهاد يغادر إلى جورجيا للمشاركة في المعرض الدولي ​الدمام – وداد المنٌيع ​في إطار تعزيز الحضور الثقافي السعودي وتوسيع آفاق التواصل الحضاري والتراثي على المستوى الدولي، غادر الأستاذ ناصر بن فهاد الدوسري (أبو فهاد)، مدير العلاقات العامة بـ صالون الدمام الثقافي ورجل التراث والأصالة، متوجهاً إلى جمهورية جورجيا الصديقة. ​ويأتي سفر الأستاذ “أبو فهاد” تلبيةً لدعوة للمشاركة في فعاليات المعرض الثقافي والتراثي الدولي المقام هناك، حيث يُنتظر أن يحضر فعاليات المعرض ويشارك في أنشطته المختلفة التي تبرز ملامح التراث العريق، فضلاً عن بناء جسور التواصل والتعاون مع الشخصيات والجهات الثقافية والفنية المشاركة من مختلف دول العالم. ​وفي هذا السياق، أكد رئيس صالون الدمام الثقافي، الكاتب والإعلامي عبدالعزيز عطيه العنزي، أن مشاركة صالون الدمام الثقافي في هذا المعرض الدولي تأتي انطلاقاً من حرصه المستمر على إبراز الإرث الثقافي والتراثي السعودي في المحافل العالمية، ومد جسور التعاون الحضاري والثقافي مع مختلف الشعوب، مشيداً بالكفاءات الوطنية الممثلة للصالون والتي تعكس الوجه المشرف للإبداع والأصالة السعودية. ​تمنياتنا للأستاذ ناصر بن فهاد الدوسري بالتوفيق والنجاح في مهمته، وعودة حميدة إلى أرض الوطن سالماً غانماً.