بقلم احمد محمد السعدي
المستشار في التنمية البشرية والاسرية

ليس كل ما يُكتب عن السينما يستحق أن نسميه “سِفراً”، وليس كل من يؤرخ للفن يستطيع أن يمسك بخيوط المشهد في لحظة تحولاته الكبرى. لكن الدكتور خالد الخضري، في عمله الموسوعي “رؤية المملكة 2030 وعودة السينما السعودية”، يمنحنا نصاً استثنائياً يرتقي إلى مصاف الشهادة الحية على ولادة صناعة بأكملها.
قبل أن تبدأ الفصول، يقف القارئ على “بطاقة ولاء” يرفعها المؤلف إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يصفه بـ”عراب الرؤية وصانع التحول”. ثم إهداء إلى معالى المستشار تركى ال الشيخ رائد التحول وصانع البهجة في المملكة العربية السعودية
ويأتي تقديم المنتج محمد بخش ليكون وثيقة حية، يستعيد فيها فيلم “أمل الوفاء” (1979) وتلك “الجذوة المشتعلة” التي ظلت تضيء درب المبدعين رغم المنع.
يفتح الخضري فصوله بتحليل رؤية 2030 بوصفها خارطة طريق تعيد تعريف العلاقة بين الثقافة والاقتصاد. يتوقف عند مفهوم “الاقتصاد الإبداعي” وقدرته على تحويل المواهب إلى دخل مستدام، ويستعرض التحولات الكبرى: تأسيس وزارة الثقافة (2018)، وإنشاء الهيئات المتخصصة (هيئة الأفلام، المسرح، الموسيقى)، وصناديق الاستثمار الثقافي.
في فصل “الكتابة والسيناريو”، يميز الخضري بين الكتابة الروائية وكتابة السيناريو. فبينما تعتمد الرواية على السرد واللغة الأدبية الثرية، يكتب السيناريو للصورة والممثل والمخرج بلغة دقيقة مختصرة. ويأخذنا في رحلة بين مدرستين عظيمتين: الأمريكية التي تسيطر على العالم بفضل هوليوود، والفرنسية التي تركز على الفن والجو النفسي. ثم يقدم “وصفة عملية” لمزج القوتين في سيناريو واحد.
يستعيد الخضري التاريخ الحقيقي للسينما السعودية: من أول فيلم “الذباب” (1950) الذي أنتجته أرامكو وبطولة حسن الغانم، إلى فيلم “تطوير الرياض” لعبدالله المحيسن (1975)، و”أمل الوفاء” لمحمد بخش (1979). ثم لحظة المنع بعد 1980 حيث أغلقت صالات “النصر” و”الروشان” في جدة، وتحول التلفزيون إلى البديل الوحيد.
لكن الروح لم تموت. جاءت لحظة الانفراج من بوابة الخارج: “ظلال الصمت” (2006) الذي عرض في روما وكان، ثم “وجدة” (2012) لهيفاء المنصور التي دخلت فينيسيا والأوسكار، فـ”بركة يقابل بركة” (2016) لمحمود صباغ. ثم القرار التاريخي في ديسمبر 2017 بإعادة فتح الصالات، وتأسيس هيئة الأفلام، وانطلاق مهرجان البحر الأحمر.
يستعرض الخضري أبرز الأفلام: من “وجدة” إلى “سيدة البحر” (2019) لشهد أمين الذي استخدم الرمزية والصمت، و”شمس المعارف” (2020) الذي خاطب جيل الشباب، وصولاً إلى “الهامور ح.ع” (2023) الذي حقق 20 مليون ريال. ويتوقف عند مشاريع تحويل 25 رواية سعودية إلى أفلام، والثروة القصصية الهائلة (نحو 1380 مجموعة قصصية) التي تنتظر من يستثمرها.
ثم يضيء على صناع الحلم: كتاب السيناريو مثل محمد السلماني وعبدالله العراك وهند عبدالوهاب، ومخرجين مثل هيفاء المنصور ومحمود صباغ وشهد أمين وعبدالإله القرشي، ومنتجين وشركات إنتاج مثل “فيلم فاكتوري” وهيئة الأفلام وصندوق دعم الأفلام.
يرصد الخضري قفزة الصالات من العدم إلى 69 دار عرض و630 شاشة، موزعة على المملكة. الرياض قلب السوق بأكثر من 7 ملايين زائر سنوياً، وجدة بوابة الثقافة عبر مهرجان البحر الأحمر، والدمام والخبر بوابة الشرق، وصولاً إلى المدن الصغرى التي تشهد نمواً مطرداً. الأرقام تتحدث: 18 مليون مشاهد عام 2023، 845 مليون ريال إيرادات، 504 أفلام معروضة منها 17 سعودياً.
يرسم الخضري ملامح المستقبل: تنويع الموضوعات، تطوير المواهب عبر التعليم الأكاديمي (جامعة الإمام، جامعة عفت، جامعة الأميرة نورة)، ودعم الاستثمار بتشريعات جديدة مثل برنامج حوافز الاسترجاع النقدي بنسبة 40%، وإستراتيجية تطوير قطاع الأفلام، ومبادرة “سينماء” للنقد السينمائي. لكنه لا يخفي التحديات: الحفاظ على التوازن بين الأصالة والتجديد، وتجاوز القيود الثقافية، ومواجهة المنافسة العالمية.

اترك تعليقاً

You missed

​مدير العلاقات العامة بـ صالون الدمام الثقافي أبو فهاد يغادر إلى جورجيا للمشاركة في المعرض الدولي ​الدمام – وداد المنٌيع ​في إطار تعزيز الحضور الثقافي السعودي وتوسيع آفاق التواصل الحضاري والتراثي على المستوى الدولي، غادر الأستاذ ناصر بن فهاد الدوسري (أبو فهاد)، مدير العلاقات العامة بـ صالون الدمام الثقافي ورجل التراث والأصالة، متوجهاً إلى جمهورية جورجيا الصديقة. ​ويأتي سفر الأستاذ “أبو فهاد” تلبيةً لدعوة للمشاركة في فعاليات المعرض الثقافي والتراثي الدولي المقام هناك، حيث يُنتظر أن يحضر فعاليات المعرض ويشارك في أنشطته المختلفة التي تبرز ملامح التراث العريق، فضلاً عن بناء جسور التواصل والتعاون مع الشخصيات والجهات الثقافية والفنية المشاركة من مختلف دول العالم. ​وفي هذا السياق، أكد رئيس صالون الدمام الثقافي، الكاتب والإعلامي عبدالعزيز عطيه العنزي، أن مشاركة صالون الدمام الثقافي في هذا المعرض الدولي تأتي انطلاقاً من حرصه المستمر على إبراز الإرث الثقافي والتراثي السعودي في المحافل العالمية، ومد جسور التعاون الحضاري والثقافي مع مختلف الشعوب، مشيداً بالكفاءات الوطنية الممثلة للصالون والتي تعكس الوجه المشرف للإبداع والأصالة السعودية. ​تمنياتنا للأستاذ ناصر بن فهاد الدوسري بالتوفيق والنجاح في مهمته، وعودة حميدة إلى أرض الوطن سالماً غانماً.