أجرى الحوار:عبدالعزيز عطيه العنزي
في زمنٍ يطغى فيه الضجيج على المعنى، تختار ضيفتنا أن يكون “الهدوء” هو لغتها، و”التأمل” هو أداتها لإعادة اكتشاف الذات. تؤمن بأن الشهادة الجامعية في الدراسات الإسلامية لم تكن نهاية المطاف، بل كانت البوابة الأولى نحو رحلة معرفية لا تتوقف؛ وقودها القراءة، وغايتها القيم الإنسانية العميقة.
هي الكاتبة نهى الزهراني، صاحبة كتاب «نبض في صمت الرحيل»، التي استطاعت بقلمها أن تترجم مشاعر الفقد الصامتة إلى نصوص تنبض بالصدق، وتمنح القارئ مساحة للاختلاء بذاته.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من عالمها الكتابي، ونغوص في فلسفتها حول “البوح” الورقي، وكيف تحول المعرفة إلى ضوء، والصمت إلى كلمة باقية.
كيف انعكس تخصصك في الدراسات الإسلامية وقيمها على رؤيتك الخاصة للحياة وأسلوبك في الكتابة؟
نهى الزهراني: دراستي لم تكن مجرد مرحلة أكاديمية للحصول على شهادة، بل كانت الأساس الذي شكل وعيي. الفكر الإسلامي يزخر بقيم إنسانية عميقة جداً، وهذه القيم هي المنظار الذي أرى من خلاله الحياة وأنعكس في كتاباتي. تعلمت أن المعرفة رحلة مستمرة تتجدد بالتأمل، لذا فإن قلمي يسعى دائماً لترجمة هذه القيم السامية إلى نصوص تلامس واقع الناس وأرواحهم.
تصفين الكتابة بأنها “إعادة اكتشاف للذات”؛ كيف يساعدك القلم في فهم نفسك وترتيب أفكارك؟
نهى الزهراني: الكتابة بالنسبة لي هي مساحة للبوح الصادق. في خضم الحياة، نحتاج إلى ركن هادئ نعود فيه لأنفسنا، وهنا يأتي دور الكتابة. إنها ليست وظيفة أؤديها، بل هي وسيلة لأفهم ما يدور بداخلي. عندما أكتب، أنا أرتب فوضى المشاعر، وأعيد قراءة ذاتي، وأكتشف زوايا جديدة في شخصيتي لم أكن لأدركها لولا انسياب الحبر على الورق.
في كتابك «نبض في صمت الرحيل»، كيف تمكنتِ من تحويل مشاعر الفقد الصامتة إلى كلمات ملموسة؟
نهى الزهراني: كان تحدياً شعورياً كبيراً. حاولت في هذا الكتاب أن أستنطق الصمت، وأن أترجم تلك الغصة التي تقف في الحناجر لحظة الفقد. هدفي لم يكن مجرد السرد، بل أن ألمس المشاعر الإنسانية المشتركة التي نعيشها جميعاً ولكننا قد نعجز عن وصفها. لقد سعيت لأن تكون كلماتي “نبضاً” حقيقياً وصادقاً يعبر عما لا يُقال عادة.
تعتمدين “الأسلوب الوجداني الهادئ”؛ كيف تراهنين على الهدوء لترك أثر عميق لدى القارئ في زمن الصخب؟
نهى الزهراني: نحن نعيش في عالم صاخب جداً، وأؤمن أن النفس البشرية تميل فطرياً للبحث عن السكينة. الضجيج قد يلفت الانتباه لحظياً، لكن الهدوء هو الذي يستقر في القلب. أراهن على الكلمة الهادئة التي تمنح القارئ مساحة للتأمل والتقاط أنفاسه، فهذا النوع من الكتابة هو الذي يترك أثراً حقيقياً وباقياً، ويساعد القارئ على الاقتراب من ذاته بدلاً من الهروب منها.
ما هي طقوسك في القراءة والممارسات التي تعتمدين عليها لتطوير أدواتك الكتابية باستمرار؟
نهى الزهراني: أؤمن أن المعرفة تتجدد بالقراءة والبحث، فلا يمكن للكاتب أن يعطي إذا توقف عن التلقي. أحرص دائماً على القراءة المتنوعة التي تغذي الفكر والروح، وأمارس التأمل كجزء من تطوير أدواتي. أنا في حالة دؤوبة من العمل على صقل لغتي وأسلوبي، لأنني أرى أن الكاتب يجب أن ينمو مع كل نص يكتبه، وألا يقف عند حد معين.
بعد تجربتك الأولى، ما هي القضايا أو المساحات الأدبية الجديدة التي تخططين للخوض فيها مستقبلاً؟
نهى الزهراني: ما زلت أسعى لتقديم محتوى يحمل معنى ورسالة. وجهتي القادمة ستظل في إطار تعزيز القيم الإنسانية وتقديم ما يترك أثراً طيباً. أطمح لاستكشاف مساحات أوسع في الكتابة الوجدانية والفكرية، وتقديم أعمال تمنح القارئ فرصة أكبر للتأمل والفهم، مستمرة في رحلة البحث والمعرفة التي لا تتوقف.
الخاتمة:
في ختام هذا اللقاء، ندرك أن الأستاذة نهى الزهراني لا تكتب لملء الصفحات، بل لملء الأرواح بالمعنى. من خلال هدوئها وقلمها الواعي، تذكرنا دائماً بأن الكلمات الصادقة هي الجسر الذي نعبر عليه لفهم أنفسنا، وأن الصمت حين يُكتب.. يصبح حياة أخرى.