بقلم: خالد الريمي
في خضم التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد، تبرز مؤشرات واقعية توحي بإمكانية حدوث تحسن ملموس واستقرار نسبي في سعر صرف العملة الوطنية خلال الفترة القريبة القادمة، إذا ما توفرت الإرادة الجادة والقرارات الصارمة القادرة على كبح الاختلالات العميقة التي أنهكت الاقتصاد وأفقدت الريال اليمني جزءًا كبيرًا من قيمته.
يُعدّ الاستقرار الأمني حجر الزاوية في أي تعافٍ اقتصادي حقيقي، إذ يسهم بشكل مباشر في خفض الطلب التحوّطي على العملات الأجنبية، والذي يرتفع عادة في أوقات التوتر والاضطراب، وتشير التقديرات إلى أن تحسن الوضع الأمني يمكن أن يقلص هذا الطلب بنسبة تتراوح بين 20% و40%، ما يخفف الضغط على سوق الصرف ويمنح العملة الوطنية متنفسًا ضروريًا.
وفي السياق ذاته، فإن توريد جميع الإيرادات السيادية إلى البنك المركزي اليمني، بما يشمل الجمارك والضرائب والموانئ وقطاع الاتصالات، يمثل خطوة مفصلية في استعادة الانضباط المالي، وهذه الخطوة من شأنها أن تضيف سيولة منتظمة تُقدّر بمئات المليارات من الريالات سنويًا، وتعزز قدرة البنك المركزي على التدخل المنظم والفاعل في سوق الصرف.
كما أن إيقاف الجبايات غير القانونية يشكل عاملًا حاسمًا في تقليص اقتصاد الظل، الذي يستنزف جزءًا كبيرًا من السيولة النقدية خارج القنوات الرسمية، وإن القضاء على هذه الممارسات يساهم في الحد من التشوهات السعرية، ويعيد للسوق قدرًا من الشفافية والتوازن المفقودين.
ومن الإجراءات ذات الأثر المباشر، صرف رواتب جميع مسؤولي الدولة بالريال اليمني بدلًا من العملات الأجنبية، وهو إجراء كفيل بتخفيض الطلب المؤسسي على الدولار بصورة ملحوظة، فضلًا عن كونه رسالة رمزية قوية تعزز الثقة بالعملة الوطنية وتكرّس مبدأ القدوة من قِبل الدولة.
أما منع تهريب الأموال إلى الخارج، فيُعد ضرورة اقتصادية ملحة لا تحتمل التأجيل، إذ يساهم في الحفاظ على الكتلة النقدية داخل الاقتصاد المحلي، ويحسن من وضع ميزان المدفوعات، ويحد من النزيف المستمر للعملات الأجنبية الذي فاقم هشاشة الوضع النقدي.
وفي الإطار نفسه، فإن وقف نهب الموارد العامة وإدارتها بشفافية وكفاءة، يوفّر إيرادات حقيقية ومستدامة للدولة، بدلًا من تسربها خارج الدورة الاقتصادية.. فالإدارة الرشيدة للموارد ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية لإنقاذ ما تبقى من مقومات الاستقرار المالي.
وتبقى عودة تصدير النفط والغاز، ولو بشكل جزئي، من أبرز العوامل القادرة على إحداث فارق ملموس في سوق الصرف، إذ يمكن أن تضخ عشرات الملايين من الدولارات شهريًا إلى السوق، وهو ما ينعكس بشكل مباشر وسريع على استقرار سعر الصرف وتعزيز الاحتياطي النقدي.
إلى جانب ذلك، تمثل تحويلات المغتربين أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد الوطني، وعند توجيهها عبر القنوات الرسمية، فإنها ستشكل دعمًا مستمرًا للاحتياطي النقدي، وتسهم في تعزيز قدرة البنك المركزي اليمني على إدارة السوق بكفاءة أكبر.
ولا يمكن إغفال أهمية مكافحة المضاربة وضبط سوق الصرف، حيث تسهم هذه الإجراءات في تقليص التذبذب الحاد، ومنع الارتفاعات غير المبررة اقتصاديًا، والتي غالبًا ما تكون نتاج شائعات أو ممارسات احتكارية تستهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب استقرار الاقتصاد ومعيشة المواطنين.
كما أن إدارة المنح والمعونات الخارجية عبر البنك المركزي اليمني تمثل رافعة مهمة لتعزيز الاحتياطي النقدي، وتبعث برسائل ثقة قوية للأسواق المحلية والخارجية، مفادها أن هناك مؤسسات حكومية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة ومسؤولية.
إن اجتماع هذه العوامل المالية والنقدية والتنظيمية، إذا ما جرى تنفيذها دون استثناءات أو ازدواجية، كفيل بإحداث تحسن تدريجي ومستقر في سعر الصرف قد يتراوح بين 30% و50% على المدى القصير، مع قابلية لمزيد من الاستقرار على المدى المتوسط، شريطة استمرار الالتزام بالسياسات الصحيحة، وتحويل الأقوال إلى أفعال، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد قادر على الصمود والتعافي.