ربيعة الحربي_الرياض

وسط الزحام المتصاعد أمام بوابة جناح الطفل في فعاليات الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية “بنان”، يقترب الزوّار الصغار مع أسرهم بحماسة ظاهرة، فيما يتبادل البعض الأدوار في الوقوف بالطابور الطويل الذي أصبح مشهداً يومياً للجناح الأكثر جذباً للأطفال في النسخة الثالثة من الحدث. وعلى الرغم من مساحته التي تبدو كبيرة من الخارج، فإن الداخل يكشف عن عالم مصمّم بعناية، يلتقط خيال الطفل ويقوده في رحلة متتابعة بين ألوان، وأصوات، وتجارب تفاعلية تحوّل التراث إلى لعبة، والمعرفة إلى مغامرة.

تبدأ الرحلة مع شخصية “بنان” الكارتونية التي تستقبل الأطفال بابتسامة واسعة، وتعرّفهم بخمس حرف تراثية جرى تبسيطها في قالب بصري مشوق. ومن خلال لوحات ورسوم متحركة قصيرة، يحصل الطفل على انطباع أولي عن عوالم الحرف قبل أن ينتقل إلى الأقسام الموزعة داخل الجناح.

في قسم “خيوط الصحراء”، يتعرّف الطفل على حرفة حياكة السدو بطريقة تفاعلية تعتمد على خيوط ملونة ولوحة تشبه النول التقليدي. يقضي الصغار وقتاً في محاولة ترتيب الخيط في مسارات محددة ليُشكّل صورة بسيطة مستوحاة من نقوش السدو، بينما يتابع المشرفون خطواتهم ويشرحون لهم كيف كان النسّاجون يبتكرون مفروشاتهم في الماضي.

ومن هناك، ينتقل الأطفال إلى قسم “تناغم الألوان” المخصص لحرفة القط العسيري، حيث يختار كل منهم لوحة صغيرة ويملأها بخطوط وألوان مستوحاة من رموز الفن العسيري. وتتحول المساحة إلى فوضى جميلة من الأصفر والأخضر والوردي، لتخرج كل لوحة بتعبير مختلف يعكس خيال الطفل وذائقته.

وفي ركن “إبحار الشراع”، المخصص لحرفة صناعة السفن، يكتشف الأطفال كيف كان البناؤون يشكّلون هياكل المراكب الخشبية. ويُمنح الطفل قطعاً خشبية صغيرة ليجمعها بطريقة محددة، فيتعرف إلى شكل الشراع والدفة وهيكل السفينة، قبل أن يشاهد نموذجاً أكبر يوضح مراحل البناء التقليدية.

ثم ينتقل الصغار إلى قسم “انعكاس الورد الطائفي”، حيث يطغى اللون الوردي على المكان، فيما يتعرف الأطفال إلى قصص الوردة الطائفية واستخداماتها المختلفة. ويتيح القسم لهم فرصة تلوين أوراق ورقية مصممة على هيئة بتلات، ليجمعوها لاحقاً في شكل وردة يصطحبونها معهم إلى المنزل.

أما قسم “سر الفخار”، فيُعد من أكثر الأركان التي توقف الأطفال طويلاً عندها. هنا تُعرض أمامهم مراحل صناعة الفخار بطريقة مبسّطة، ويشاهدون كيف تتحول كتلة الطين إلى شكل دائري أو إناء صغير. وتُتاح لهم فرصة تشكيل قطعة صغيرة بأيديهم، ما يجعل التجربة ملموسة وقريبة من قلب الطفل الذي يندهش من تحوّل الطين إلى شيء يمكن حمله.

وفي مساحة “تلوين الحرف”، يأخذ الأطفال استراحة قصيرة من التجارب الحركية، ليجلسوا أمام طاولات مليئة بالرسومات المستوحاة من الحرف الخمس، فيختار كل منهم رسمة يلوّنها ويوقّع عليها باسمه، كنوع من المشاركة الرمزية في إحياء التراث.

ثم ينتقلون إلى “منصة الحكاية”، حيث يجلسون على مقاعد صغيرة تحيط بدائرة خشبية، ويبدأ أحد الحكواتية في سرد قصص قصيرة عن الحرفيين، وكيف كانت مهاراتهم تنتقل من جيل إلى آخر، مستخدماً لغة مبسّطة وصوراً صغيرة تساعد الطفل على تخيّل الزمن القديم دون الشعور بالملل.

وبعد جولة في الجناح يصل الأطفال إلى ركن الهدايا التذكارية، الذي يتحول سريعاً إلى محطة لا يمكن تجاوزها. هنا تُعرض مجسمات صغيرة لشخصية “بنان”، وقطع ورقية مستوحاة من الحرف، وأساور صغيرة من الخيوط، وألعاب خشبية بسيطة، ليخرج الطفل وفي يده تذكار يذكّره بالرحلة، وفي رأسه قصة جديدة عن التراث.

وبين لحظة الدخول ولحظة الخروج، يقضي الأطفال وقتاً يتراوح بين اللعب والاكتشاف والانتباه، فيما تقف الأسر خارجه تلتقط صوراً وتراقب وجوه صغارهم المشرقة. ويظل جناح الطفل واحداً من أكثر نقاط الجذب حضوراً وسط فعاليات “بنان”، لأنه يقدّم للطفل ما يبحث عنه دائماً، مساحة يتعلم فيها دون أن يشعر أنه يتعلم، ويعيش فيها التراث كما لو أنه جزء من لعبته اليومية.

اترك تعليقاً