ربيعة الحربي_الرياض

لم يكن الحضور إلى ركن الصين في الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية “بنان” في نسخته الثالثة مجرد مرور عابر بين أجنحة الحرف العالمية. كان المكان، بتنظيم من هيئة التراث، يتحوّل كل ساعة إلى مسرح صغير تتقاطع فيه الثقافات، وتنهض فيه الذاكرة الشعبية من جديد، لا سيما عندما يبدأ العرض الأكثر انتظارًا: رقصة الأسد من مقاطعة غوانغدونغ.

في اللحظة الأولى لانطلاق الطبول، شعر الزوار بأن شيئًا استثنائيًا يحدث. الموسيقى بإيقاعها المتناغم لم تكن مجرد خلفية صوتية، بل نبض قديم يعود إلى ما يقارب ألفي عام، منذ نشأة رقصة الأسد في عهد أسرة “هان”. هناك، في التاريخ البعيد، كانت الرقصة تُؤدى لجلب الحظ وطرد الشرور، قبل أن تتحول إلى رمز ثقافي راسخ في المهرجانات والمناسبات الكبرى. وفي عام 2006 أُدرجت ضمن القائمة الوطنية الصينية للتراث الثقافي غير المادي، لتصبح إحدى أبرز الفنون التقليدية التي تجاوزت حدود الصين إلى العالم.

داخل الركن الصيني في “بنان”، بدا المشهد حيًا كما لو أنه قادم مباشرة من احتفالات رأس السنة الصينية: أسدان ملوّنان، أحدهما ذهبي والآخر أحمر، يتحركان بانسجام خلاب، يقودهما مؤديان يتقاسمان جسد الحيوان الأسطوري بدقة مذهلة. الرأس الكبير ذو العيون المتحركة، الوميض الذي ينعكس على الفراء المطرز، الرقبة المرنة، القفزات العالية والانحناءات الحادة… كلها كانت تعكس مهارات تُصقل لسنوات طويلة، وتجمع بين فنون الرقص والحركات المستمدة من مدارس الفنون القتالية في جنوب الصين.

تستفيد الرقصة من تقنيات خاصة تظهر قوة الرسغ ودقّة التحكم، وتتضمّن خطوات متنوعة كـ”وقفة الحصان” و”الخطوة المعلقة” و”الخطوة المجزأة” و”الاستطلاع” و”الفتح والإغلاق” و”اللوى” و”القفز” و”الدوران” و”المراوغة”، إلى جانب حركات تُجسّد مشاعر الأسد نفسه: الفرح، الحزن، الغضب، الدهشة، الشك، وحتى النوم. وبفضل هذا التعبير الحركي الغني، بدت الشخصية الأسطورية كائنًا نابضًا بالحياة، يتفاعل مع الجمهور ويروي قصة قديمة بلغة يفهمها الجميع دون ترجمة.

الحضور، من أطفال وعائلات وزوار من مختلف الجنسيات، وجدوا أنفسهم مأخوذين بهذه الحيوية. كان بعض الأطفال يقتربون من مقدمة المسرح بخجل، ثم يبتسمون حين تومض عين الأسد باتجاههم. بينما انشغل الكبار بالتصوير والتسجيل، مدركين أن ما يشاهدونه ليس مجرد عرض، بل تجربة ثقافية كاملة.

وتأتي هذه المشاركة الصينية ضمن فعاليات العام الثقافي الصيني–السعودي 2024–2025، في إطار كون الصين “ضيف الشرف” لهذا العام في معرض “بنان”. وهو حضور يحمل دلالة تتجاوز الفن نفسه، إذ يتقاطع مع مرور 35 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ويعكس مستوى جديدًا من التبادل الثقافي العميق الذي يجمع بين الحرف، والفنون الشعبية، والفكر الإنساني المشترك.

ورغم أن “بنان” يحتضن أكثر من أربعين ثقافة عالمية، فإن رقصة الأسد تركت أثرًا خاصًا، لأنها جاءت محمولة بتاريخ كبير وبمشاعر أولية يستطيع أي إنسان في العالم فهمها: البهجة، الشجاعة، الاحتفال، واستحضار الطاقة الطيبة. لقد قدّمت الرقصة نموذجًا حيًا لكيف يمكن للتراث أن يعبر البحار دون أن يفقد روحه، وأن يجد في الرياض — وفي أحضان هيئة التراث — مساحة جديدة ليُروى من جديد.

ومع انطفاء الطبول وهدوء المسرح، بقي صدى الرقصة معلقًا في ذاكرة الزوار، كذكرى دافئة من الشرق الأقصى، وكبرهان جديد على أن “بنان” ليس معرضًا للحرف فحسب، بل جسرًا واسعًا يجعل التراث العالمي يعيش، ويتحرك، ويُدهش… مرة بعد أخرى

اترك تعليقاً