بقلم المحامي / محمد بن عبدالله الحداري
عشرة أشهر في عنيزة… حين تكتشف أن الهدوء ليس ضعفًا.
كنت أعتقد — كغيري — أن الخروج من الرياض هو نوع من التراجع، أو على الأقل مغامرة غير محسوبة في عالمٍ يقيس النجاح بسرعة الإيقاع وعدد الاجتماعات اليومية.
لكن بعد عشرة أشهر… أستطيع القول بثقة:
لم أخرج من الرياض… بل خرجت من الضجيج.
في الرياض، كل شيء يحدث بسرعة: الطرق، القرارات، العلاقات… وحتى الاستهلاك.
تعيش وكأنك في سباق دائم، لا تتذكر متى بدأ، ولا تعرف متى ينتهي، لكنك متأكد أنك لا تستطيع التوقف.
أما في عنيزة… فالأمر مختلف.
ليس لأنها أبطأ — كما قد يظن البعض — بل لأنها أكثر “وضوحًا”.
المدن الهادئة لا تعاني من قلة الحياة… بل تعاني من قلة الضجيج فقط،
وهذا فرق لا يدركه إلا من عاش التجربتين.
في عنيزة، العلاقات ليست مشاريع مؤقتة، واللقاءات ليست مجدولة بدقة مفرطة، والوقت… ليس خصمًا يجب هزيمته كل صباح.
قد يبدو هذا الكلام رومانسيًا للبعض، لكن دعني أضعه بصيغة أكثر “صرامة”: لو أردنا تقييم جودة الحياة كأنها قضية قانونية، فإن عنيزة تقدم أدلة ملموسة على الاتزان، بينما تعتمد الرياض على قرائن السرعة.
في الرياض، الفرص كثيرة… نعم ، لكنها تأتي مصحوبة بضريبة غير مكتوبة: ضغط مستمر، استنزاف ذهني، وشعور دائم بأنك متأخر — حتى لو كنت في المقدمة.
أما في عنيزة، فالمعادلة مختلفة: قد تقل الخيارات، لكن تزيد القيمة.
وقد يهدأ الإيقاع، لكن يرتفع التركيز.
وقد يقل الصخب… لكن تزداد الحياة.
المفارقة أنني لم أشعر أنني “ابتعدت” عن شيء بقدر ما شعرت أنني “اقتربت” من أشياء كثيرة كنت أؤجلها: الهدوء، التركيز، وحتى نفسي.
وهنا تأتي الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: ليست كل المدن تُقاس بعدد الأبراج، ولا بعدد المشاريع ولا حتى بسرعة الإنترنت.
بعض المدن… تُقاس بقدرتها على أن تعيدك لنفسك دون أن تشعرك أنك خسرت العالم.
بعد عشرة أشهر في عنيزة لم أغير المدينة فقط… بل غيرت تعريف “الحياة الجيدة”.