قماشة العويدانقماشة العويدان

بقلم: قماشة العويدان

خيباتُ الظروف قد تُثقل أرواحنا، وتكاد تُخرجنا عن مسار الحياة، لكنها – في عمقها – تكشف لنا معادن الأشخاص، وتمنحنا دروسًا قاسية لا تُنسى. ومع كل خيبة، تتشكل نظرتنا للواقع من جديد، فنرى ما لم نكن نراه، وندرك ما كنا نغفل عنه.

ورغم ما يصاحبها من ألم، إلا أنها قد تكون ضرورة خفية، تُعلّمنا مرونة الحياة، وتعيد تعريف قيمتنا الذاتية. حينها ندرك أن السند الحقيقي لا يأتي دائمًا من البشر، وأن من حولنا ما هم إلا محطات نمر بها، نتجاوز عبرها شيئًا من وهم السيطرة الذي نظن أننا نملكه.

في خضم هذه الخيبات، تتساقط الأقنعة، وتنكشف الحقائق، فنرى الناس على حقيقتهم، ونعرف من يبقى سندًا في أوقات الشدة، ومن يتوارى مع أول اختبار. ويتحوّل الألم – بمرور الوقت – إلى خبرة ناضجة، تُصحح لنا توقعاتنا الزائفة، وتدفعنا لإعادة ترتيب حياتنا، بإغلاق فصول قديمة، وفتح بدايات جديدة، وإن كانت مؤلمة في بدايتها.
تُعلّمنا الحياة أن التغيّر سُنّتها الثابتة، وأن التمسك بالسيطرة وهمٌ لا يدوم، وأن التوازن الحقيقي يكمن بين الرضا والتقبّل. كما نتعلم كيف نتعايش مع خيبات الظروف، لا بالانكسار، بل بالتجاوز والنهوض.
فالتجارب ليست نهاية الطريق، بل منعطفات قد تُسقطنا، لكنها تمنحنا فرصة النهوض من جديد. وتبقى الحقيقة التي لا تتغير: أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، وأن الأبواب التي تُغلق اليوم، قد تُفتح غدًا بأمر الله تعالى.

وفي لحظات الضيق، حين نشعر أن كل الأبواب قد أُغلقت، علينا أن نتذكر أن أبواب الله تعالى لا تُغلق أبدًا. فنلجأ إليه بالدعاء، ونُكثر من الاستغفار، فنجد في ذلك سكينةً وراحةً تمتد في أعماقنا.
فالرضا ليس استسلامًا، بل إيمانٌ بأن خلف كل خيبة حكمة، وخلف كل ألم رحمة، وأن ما كُتب لنا سيأتينا في وقته، مهما طال الانتظار.

اترك تعليقاً