عدن – تقرير خاص
حين اندلعت الحرب على الشرعية الدستورية، وكانت المدافع تدوي على جبهات القتال لاستعادة الدولة، وحين صمت الصامتون كان هناك معركة أخرى لا تقل ضراوة تدور رحاها في أروقة التوجيه المعنوي والإعلام الشرعي، جنودها رجال وهبو انفسهم في سبيل الوطن.
لكن الصدمة التي تتبلور ملامحها اليوم في العاصمة المؤقتة عدن ، تشير إلى أن “طعنة الظهر” لم تأت من العدو المباشر، بل من داخل “مطبخ القرار” الإعلامي في رئاسة الوزراء، حيث تبرز شخصية عبدالسلام الدعيس كعلامة استفهام كبرى تثير القلق حول اختراق استخباري حوثي ناعم لأعلى الهرم الإداري في الحكومة الشرعية.
من ظلال “المسيرة” إلى كراسي “الشرعية”
في الوقت الذي كان فيه الصحفييون يطاردون ويفرون جماعات وافراد من منازلهم ومن بين اهاليهم، كان الدعيس ومن معه يرتعون من خيرات ما يسمى بالمسيرة القرانية.. اذ تشير الروايات المتواترة من كواليس الحكومة تساؤلات غامضة حول صعود الدعيس الى الدائرة الاعلامية في حكومة الشرعية بعد غياب طويل كان “يرتع” فيها الدعيس تحت مظلة المليشيا في صنعاء حتى يوليو 2018.
وتشير المعلومات الصادمة إلى أن الرجل لم يغادر صنعاء إلا بعد أن أتمّ مهمة “تسليم الأرشيف الحساس” للدائرة الإعلامية برئاسة الوزراء للمليشيات الحوثية، وهو الأرشيف الذي مكن الحوثيين من كشف تحركات إدارية ومالية بالغة الأهمية، وما عملية “الاعتقال الصورية” التي تعرض لها لمدة 21 يوماً إلا “عملية تبييض” كلاسيكية في عالم المخابرات، لتمهيد طريقه نحو عدن بجلباب “الضحية والمناضل”.
تجريف القوة الناعمة: إغلاق المنابر وتسريح الأقلام
انتهج الدعيس منذ وصوله الى عدن وتوليه مهام الدائرة الاعلامية برئاسة الوزرا، سياسة “الأرض المحروقة” ضد الوسائل الإعلامية التي تأسست بقرار سيادي في عهد رئيس الوزراء الأسبق الدكتور أحمد عبيد بن دغر، حيث نجح في اغلاق ما يزيد عن 7 مواقغ اخبارية وعدد من الصحف والنشرات الصحفية، التي كانت “المخالب” الحادة للشرعية، والتي وجدت نفسها امام “مقصلة” إدارية.
حيث مثل مطلع العام 2025 المحرقة الاخيرة للمواقع والصحف والعاملين فيها، حين نجح الدعيس في وقف مستحقات الفريق الإعلامي المرابط منذ 2016، فضلا عن إغلاق المنصات والمواقع الفاعلة التي كانت تشكل حائط صد ضد البروباجندا الحوثية.
كما انتهج الدعيس ما يمكن تسميته ب “عسكرة الوظيفة” من خلال استبدال الكوادر المؤهلة بأسماء وهمية (أكثر من 200 اسم) تذهب رواتبهم لجيوب خاصة، وتحويل الدائرة إلى “إقطاعية عائلية” تخدم نفوذ “اللوبي” المرتبط بالسفير عبدالله عبدالكريم الدعيس في لبنان.
التخابر الصامت: صمت في عدن.. وولاء لصنعاء
المثير للريبة في سلوك رئيس الدائرة الإعلامية هو “صيامه عن الكلام” تجاه جرائم الحوثي، فرغم موقعه الحساس، لم يرصد له مقال أو تغريدة واحدة تدين الانقلاب منذ وصوله الى عدن، بل ذهبت التقارير لأبعد من ذلك بربطه بخلية التخابر التي كان يقودها الجاسوس (علي النعيمي)، حيث تفيد المؤشرات بأنه تولى إدارة بقايا هذه الشبكة بعد كشف النعيمي.
اذ تشير التقارير إلى ان الدعيس الذي يعمل كـ”حصان طروادة” يعمل من خلال الدائرة الاعلامية في رئاسة وزراء الشرعية على حماية مليشيات الحوثي الإرهابية عبر تقليم المخالب الإعلامية من الداخل وإقصاء كل صوت صحفي يمتلك القدرة على تعريتها.
حرب على المؤسسات الرسمية
لم تقتصر ضربات “الدعيس” على المواقع المستقلة، بل امتدت لتعطيل المؤسسات السيادية، مثل قناة اليمن وإذاعة صعدة، عبر عرقلة الميزانيات التشغيلية وسحب الكشوفات لضمان بقاء هذه الوسائل في حالة شلل.. فضلاً عن استخدام تهمة التعامل مع الانقلاب كذريعة لإقصاء الكوادر الوطنية الحقيقية، في مفارقة ساخرة تعكس مبدأ “رمتني بدائها وانسللت”.
يعمل الدعيس بكل دأب على شق صف الإعلام الرسمي ومحاربة العاملين فيه، والتشويش على قيادات الدولة، وعرقلة أي توجه حكومي يخدم إعلام الشرعية.. انه بحق “حصان طروادة” الذي يعمل من الداخل على تقويض أسس المعركة الإعلامية ضد الحوثي بدلاً من قيادتها.
واخيرا يمكن القول ان بقاء شخصية تحوم حولها كل هذه الشبهات الاستخباراتية والإدارية في قلب رئاسة الوزراء يضع “مجلس القيادة الرئاسي” و “رئاسة الوزراء” أمام اختبار حقيقي، ليبقى السؤال: هل سيسمح باستمرار تجريف الإعلام الرسمي لصالح خلايا نائمة؟ أم أن الوقت قد حان لتطهير أروقة الدولة من العبث الذي يمارسه “اللوبي العائلي” الذي يبدو أنه يمد جسوراً سرية نحو مران؟.