بقلم الإعلامي L صالح المحجم

في أحد أحياء محافظة الدمام الهادئة وتحديداً يوم الجمعة الموافق ١٤٤٦/٩/٢١هـ أسدل القدر ستاره على امرأة لم تكن مجرد اسم في سجل العائلة بل كانت روحاً دافئة وملجأً للقلوب عمتي فاطمة بنت سعيد آل غرسه امرأة عرفت بين الناس بطيب القلب وسخاء اليد وصفاء الروح وحكمة السنين
لم يكن رحيلها صاخباً كما تفعل بعض النهايات بل كان هادئاً يشبه حياتها التي عاشت فيها راضية محتسبة بعد معاناة طويلة مع مرض سرطان الدم الذي أنهك الجسد لكنه لم يستطع أن ينال من إيمانها ولا من ابتسامتها ولا من ذكرها الدائم لله
بين جدران المستشفى التي شهدت صبرها وتعبها كانت تردد الذكر وتستقبل الألم برضا وكأنها تعرف أن موعد الرحيل يقترب وأن ما عند الله خير وأبقى
وفي لحظة هدوء شعرت بإعياء مفاجئ لم تستغث ولم ترفع صوتها ولم تشكُ لأحد بل شخص بصرها إلى الأعلى وكأنها تودع الدنيا بصمت ثم سكن الجسد وسكنت معه الحركة وبقي الأثر
خيم الصمت على المكان صمت ثقيل تختلط فيه الدعوات برجفة القلوب كانت ابنتها بجوارها تودعها بقلب مؤمن بقضاء الله وقدره وبدأت الوجوه تتوافد والقلوب ترتجف والأبناء يرددون الدعاء بصبر واحتساب
تواصل أحد أبنائها مع إحدى المساجد التي تضم مغاسل للموتى فتحركت سيارة نقل الموتى إلى المستشفى وهناك استلم الفريق الجثمان ومعه الأوراق الرسمية شهادة الوفاة وتصريح الدفن وكان المشهد مهيباً يذكّر كل من حضر بأن النهاية حق وأن كل حي سيسلك هذا الطريق يوماً
وصل الجسد إلى المغسلة ووضع برفق وحين كشف الغطاء عن وجهها بدت سكينة غامرة تعلو محياها كأنها ابتسامة وداع هادئة وكأنها تقول لمن حولها كنت أعلم أن الرحيل قريب
تقدمن بناتها ومعهن المتطوعات ليقمن بتغسيلها كانت لحظة ثقيلة على القلوب جسد مستسلم وملامح هادئة وصمت لا يقطعه إلا الدعاء والدموع
أتممن غسلها وكفنها بثياب بيضاء لا تحمل من الدنيا شيئاً سوى العمل الصالح وذكراً طيباً في قلوب الناس وأبناء صالحين يرفعون أكف الدعاء لها
بعد التكفين كشف عن وجهها ليدخل أقاربها واحداً تلو الآخر يودعونها بالدعاء لم تكن الكلمات كثيرة لكن القلوب كانت تنطق بما تعجز الألسن عن قوله:
اللهم اغفر لها وارحمها
اللهم ثبّتها عند السؤال
اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة
لفت انتباهي في تلك اللحظات أن الجميع كانوا يدعون لها بإلحاح عجيب وكأنهم يتسابقون لرد الجميل لامرأة لم يعرفوا عنها إلا الطيب والكرم ونقاء القلب
كنت قد وصلت لتوي من سفر طويل تجاوز ألفاً وثلاثمئة كيلومتر دخلت المكان ولم أستوعب بعد أن الرحيل قد حدث دخلت والدموع تسبق خطواتي وكأن شيئاً في داخلي يرفض تصديق الحقيقة
حين اقتربت منها بدأ شريط الذكريات يتدفق أمام عيني ثلاثون عاماً منذ زواجي من ابنتها وأنا أناديها يا أمي وكانت ترد علي دائماً يا ولدي
لم تكن أم زوجتي فقط بل كانت قلباً يحتضنني ويداً تمسح تعبي وكلمة حانية تسبقني كلما ضاقت بي الدنيا
انحنيت وقبلت رأسها وأنا غير مدرك أن هذه القبلة هي الأخيرة نظرت إلى وجهها طويلاً مسحت على جبينها وقبلت عينيها وجبينها وأنا أردد بصوت مكسور
استودعتك الله يا حبيبتي
استودعتك الله يا روحي التي غادرت جسدي
استودعتك الله يا من أغدقت علي بحنانك وعطفك
قلتها ثلاث مرات بلا صياح ولا اعتراض بل بقلب يعرف أن الأمر كله لله وأن الصبر عند الصدمة الأولى
ثم خرجت أحمل ذكرياتها معي وأنا أشعر وكأنني لا أودع أم زوجتي بل أودع قطعة من روحي
كان ذلك المشهد درساً حياً لكل من حضر درساً في الصبر وفي الرضا وفي التسليم لقضاء الله
كم من بيوت تهتز عند المصائب
وكم من قلوب تعترض وتجزع
وتنسى أن الموت وعد من الله
وأن اللقاء الحقيقي هناك
في دار لا فراق بعدها
رحم الله عمتي فاطمة بنت سعيد آل غرسه وجبر قلوب محبيها وجعل صبرها الطويل نوراً لها في قبرها ويوم لقائه
فالإنسان لا يرحل بما جمع من الدنيا بل يرحل بما تركه في قلوب الناس من أثر وبما غرسه في أبنائه من صبر وإيمان
أما أنا فسيبقى في قلبي فراغ لا يملؤه أحد وسيبقى اسمك في دعائي ما حييت وسيبقى وجهك الهادئ آخر صورة للحب الصادق الذي عرفته في هذه الحياة
ولو كنت أعلم أن ذلك اللقاء هو الأخير لبقيت خادماً مطيعاً عند قدميك في أيامك الأخيرة ولكنها أقدار الله التي تمضي ولا تعود
ولم يبق لي إلا ما علمنا إياه نبينا الكريم حين نقول عند المصيبة
إنا لله وإنا إليه راجعون
ثم رفعت يدي إلى السماء وقلت بصوت تختنق فيه الدموع : يا رب لقد أخذت أمي الثانية إليك فاجعل قبرها نوراً واجعل وحدتها أنساً واجعل دعائي لها يصلها كما يصل المطر للأرض العطشى ، اللهم اجمعني بها في جنة لا فراق بعدها
وهنا فقط أدرك القلب أن بعض الأمهات حين يرحلن لا يتركن خلفهن حزناً عابراً بل يتركن في القلب يتمًا خفياً لا يراه الناس لكنه يثقل الروح ما بقي في الصدر نفس وما بقي في العين دمع.
وفي الختام…
لم يبق لي بعدك إلا الدعاء ، ولا بقي في القلب إلا ذلك المكان الذي كان يطمئن بوجودك
كل زاوية من الذاكرة تنطق باسمك
كل موقف جميل مر بي في حياتي أراك حاضرة فيه
يا أمي الثانية:
ثلاثون عاماً من الحنان لا يمكن أن تختصرها كلمات، ولا يمكن للقلب أن يصدق بسهولة أنك لن تفتحي الباب يوماً ، ولن أسمع صوتك يناديني يا ولدي ، رحلتِ بهدوء
لكن وجع الرحيل بقي صاخباً في صدري ، وكلما تذكرت تلك القبلة الأخيرة على جبينك أدرك أن بعض الوداع لا ينتهي عند القبر بل يبدأ منه
رحمك الله يا فاطمة وغفر لك وجعل قبرك نوراً وراحة وسلاماً ، أما أنا فسأمضي في حياتي كما يمضي الناس ، لكن شيئاً مني سيبقى هناك
في تلك اللحظة عند جبينك حين قلت لك استودعتك الله ، ولم أكن أعلم أن قلبي سيبقى واقفاً عند ذلك الوداع يبكيك ، ما بقي في العين دمع ، وما بقي في الصدر نفس.

اترك تعليقاً