الإعلامي / معلا السلمي
ليست الدنيا بضيق مساحتها، ولا بقلة ما فيها من فرص أو آفاق، لكنها تضيق حين تضيق الأخلاق. حين يتراجع الصدق، ويبهت الوفاء، ويغيب الإحساس بالآخرين، تصبح الأرض – مهما اتسعت – كأنها جدار يطبق على الصدر. المسألة ليست في المكان، بل في القيم التي تمنح المكان رحابته أو تحوله إلى قفصٍ خانق.
حين تضيق الأخلاق، تضيق بي الدنيا حتى أشعر أنها تنكمش في وسط عيني. أرى الأشياء أصغر مما ينبغي، وأشعر بثقلٍ يجثم على صدري، حتى ينكسر شيءٌ في داخلي، وتفيض الدموع دون استئذان. ليس البكاء ضعفًا، بل هو لغة الروح حين تعجز الكلمات عن شرح ما يعتمل في الأعماق.
أحاول أحيانًا أن أنعزل، أن أتجنب العالم على إطلاقه، لا هربًا من الحياة، بل هربًا من قسوتها. ألوذ بعالمي الداخلي، بأفكاري التي تأخذني إلى الماضي؛ إلى زمنٍ كان أبسط، أو ربما إلى ذكرياتٍ أجد فيها عزاءً مؤقتًا. في الماضي شيءٌ من الطمأنينة، حتى وإن لم يكن كاملًا، لكنه على الأقل خالٍ من بعض الخيبات التي تثقل الحاضر.
في صدري نارٌ لا تُطاق. همومٌ تتراكم، وأحزانٌ تتكاثر، وكأن القلب صار مستودعًا لكل ما يؤلم. أحاول الصبر، أحاول التجلّد، لكن بعض الأوجاع لا تُخفى، وبعض الأحمال لا تُحمل وحدها بسهولة. عندها لا أجد إلا الدعاء ملاذًا: عسى ربي أن يخفف ما في صدري، وأن يبدّل ضيقي سعة، وحزني طمأنينة.
فالحياة، مهما اشتدت، لا تخلو من فسحة أمل. وإذا كانت الأخلاق سبب الضيق، فهي أيضًا باب الفرج. حين نتمسك بالقيم، ونحفظ لأنفسنا نقاءها، نخلق لأنفسنا عالمًا أوسع من حدود الواقع. قد لا يتغير كل شيء من حولنا، لكن يتغير في داخلنا ميزان الشعور، فنرى في الضيق درسًا، وفي الحزن عمقًا، وفي الألم بداية نضجٍ جديد.
الدنيا لا تضيق إلا حين تضيق نفوس أهلها، فإذا وسعت أخلاقنا، اتسعت أيامنا، ولو كنا في أضيق الأماكن.