يسرا خالد ميمني
في عالمٍ يُعدّ فيه الالتقاء بالعيون جريمة، وتُخفى فيه ملامح الوجوه خوفًا من القوانين، كانت هناك مدينة غريبة تُعرف بمدينة الأصوات. في هذه المدينة، لا يعتمد الناس على أعينهم، بل على حواسهم وقلوبهم في معرفة الطريق والآخرين.
في أحد أحيائها الهادئة، عاشت طفلة في العاشرة من عمرها تُدعى آثار. كانت آثار مختلفة عن الجميع؛ فهي لا تكتفي بالسير حيث تقودها قدماها، بل تحاول أن تُبصر بقلبها ما لا يراه الآخرون.
تبدأ آثار يومها مع الفجر في حيّ الصدى، حيث الصمت التام والجدران المغطاة بالمخمل التي تمتص الأصوات. هناك كانت تتعلم لغة الأشياء الصامتة، فتسمع رنين الخرز في وشاحها، وتشم رائحة الندى، مما جعل بصيرتها أقوى من بصر كثيرين.
وعند الظهيرة، تسير في أزقة الياسمين الضيقة، حيث تزرع الروائح لتكون دليلًا للعابرين. كانت آثار محبوبة بإنصاتها العميق، لكنها أحيانًا تُربك من حولها بفضولها ولمسها لكل شيء لتفهم حقيقته.
وفي أحد المساءات، هبّ بردٌ صامت جمّد الروائح وأخرس الأصوات، فضاع أهل المدينة في خوف شديد. حينها لم تبكِ آثار، بل أخرجت خيوطًا حريرية ومدّتها بين الأعمدة، لتكون طريق نجاة للجميع.
تبع الناس رنين وشاحها وخيوطها حتى اجتمعوا معًا، وأمسكوا بأيدي بعضهم، فشعروا بالدفء والنبض لأول مرة. عندها أدركوا أن القلوب ترى ما تعجز عنه العيون.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المدينة كما كانت، وأدرك أهلها أن العمى الحقيقي هو أن تملك عينًا بلا شعور. وظلّت آثار تمشي في طرقاتها، يسبقها عطر الياسمين ورنين وشاحها، ذكرى بأن النور
الحقيقي ينبع من الداخل