نهى الزهراني

كنتُ أظنّ أن الدموع يمكن التحكم بِها ، وأن الإنسان يستطيع أن يؤجّلها، أن يخبّئها في زاويةٍ آمنة من القلب ؛ لا يراها أحد. ظننتُ أن الحزن حين يُكتب ؛ يتحوّل إلى فكرة ؛وحين يُحكى ؛ يشفقد حدّته. لكنني اكتشفتُ أن بعض المشاعر لا تقبل هذا التهذيب، ولا تعترف بقواعد التماسك.
حضرتُ لقاءً لأتحدث عن كتابي…كتابٍ لم أكتبه بقلمٍ فقط، بل كتبته بفقدٍ طويل ؛ وبقلبٍ تعلّم كيف يتنفس بعد الغياب. تحدثتُ عن الكتاب، عن لحظة ولادته، عن الأيام التي كتبته فيها حين غاب زوجي عن الحياة وبقي حاضرًا في كل سطر. وأنا أظنّ أنني تجاوزتُ البكاء إلى الفهم. لكن ما إن اقتربتُ من الحقيقة .. حتى سبقني الدمع وانكسر الصوت ؛ وتعرّت الذكرى أمام الجميع.
بكيت… ولم أستطع أن أمسك نفسي.
لم يكن بكاءً صاخبًا، بل صادقًا، ثقيلًا ؛ خرج من مكانٍ عميق لم تمسّه الكلمات من قبل. وبعد أن هدأ المشهد ؛ شعرتُ بالخجل.. استحيتُ لأنني بكيت ؛ كأنني تجاوزتُ حدًّا غير مرئي؛ كأن الدموع لا يحق لها أن تظهر في الأماكن العامة!! وكأن الحزن يجب أن يكون مهذبًا؛ صامتًا؛ غير مُربك للآخرين. وكأن البكاء أمام الآخرين ضعف يجب الإعتذار عنه!! حاولتُ أن أستعيد وقاري، أن أتماسك أمامهم.
لكنني حين عدتُ إلى نفسي؛ فهمت.
أيقنتُ أني لستُ أملك مدمعي؛ وأن هذا ليس نقصًا؛ بل حقيقة إنسانية. الدمع لا يُستأذن حين يكون الوجع صادقًا؛ ولا يُكبح حين يكون الحب حاضرًا. أدركتُ أن البكاء لم يخُنّي؛ بل كشفني على حقيقتي؛ وأنه لم يُضعفني؛ بل أنقذني من قسوة التظاهر بالقوة.
بعض الدموع ليست لحظة انهيار ؛ بل لحظة إعتراف.
إعتراف بأن الفقد لا ينتهي؛ ودليل أن الفقد مهما طال الزمن لا يشيخ ؛ وأن الحب لا يموت ؛ وأن الإنسان _ مهما بدا متماسكًا _يظل إنسانًا. ومنذ تلك اللحظة ؛ تصالحتُ مع دمعي ؛ ورفعتُ عنه العتب. فليس عيبًا أن نبكي ؛ ولا خجل في أن تسبقنا مشاعرنا ؛ لأن ما لا نملكه حقًا… هو القدرة على إنكار قلوبنا ومدامِعنا …

اترك تعليقاً