د.آدينه أحمد سعيدزاده
استاذ بجامعة طاجيكستان القومية
كان أبو علي ابن سينا أحد أعظم علماء التاريخ، وطبيبًا وفيلسوفًا ومفكرًا بارزًا من أبناء الأمة الطاجيكية. عاش في فترة حكم السامانيين وبدايات الدولة السلجوقية، وترك إسهامات عظيمة في تطور العلم والحضارة الإنسانية العالمية. على مرّ القرون عُرف ابن سينا رمزًا للحكمة والعلم، ونال مكانة رفيعة في تاريخ البشرية. وكان أبو علي ابن سينا في عصره معروفًا بلقب «شيخ الرئيس»، واشتهر بسعة وعمق علمه في الطب والفلسفة والمنطق والرياضيات وعلم الفلك وغيرها من العلوم.
وُلِد أبو علي ابن سينا سنة 980م في قرية أفشنة الواقعة بالقرب من مدينة بخارى. وكانت بخارى في ذلك الوقت عاصمة الدولة السامانية، وتتمتع بشهرة عالمية بوصفها مركزًا عظيمًا للعلم والمعرفة في العالم الإسلامي، وللأدب والثقافة الطاجيكية. كانت الدولة السامانية أول دولة ناطقة بالفارسية بعد الإسلام، وقد أسهمت في إحياء الثقافة الطاجيكية وتعزيزها. وفي بخارى عاش عدد كبير من العلماء، مثل رودكي، والفردوسي، والبلعمي، والبيروني وغيرهم، فبلغوا بالعلم والثقافة الطاجيكية أوج ازدهارها. تاريخ ابن سينا له أهمية كبيرة لشعوب هذه المنطقة وللأمة الطاجيكية على مدى القرون. وكان والده عبد الله عالمًا مرموقًا من مدينة بلخ، عمل في بلاط الملك. أما اسم والدته فكان ستارة. في يوم ميلاد الحسين، كان والده يعمل كحاكم لإحدى ولايات الأمير الساماني نُوحي الثاني بن منصور (976-997). لذلك، أرسله إلى أفضل المدارس في بخارى. كان لابن سينا ذاكرة قوية وعقل نير، وتمكن في سن الرابعة عشرة من التفوق على معلميه. وقد ذكر في سيرته الذاتية أنه في سن السابعة عشرة لم يبقَ له شيء ليتعلمه بعد. وفي سن العاشرة حفظ القرآن الكريم كاملاً عن ظهر قلب.
في سن السادسة عشرة، كان قد أتم دراسة جميع العلوم المعروفة في عصره، وبحلول سن الثامنة عشرة اشتهر كطبيب بارع. وبفضل علمه العميق، استطاع أن يعالج الأمير الساماني نوح بن منصور. ونتيجة لذلك، مُنح حق الوصول إلى المكتبة الكبيرة للسامانيين، التي كانت تحتوي على كنوز علمية عالمية. وللأسف، بعد سقوط الدولة السامانية وهجمات القبائل التركية، ضاعت هذه المكتبة. في السنوات التالية، اضطر ابن سينا إلى السفر إلى مدن مختلفة، بما في ذلك جرجانج (خوارزم)، وأصفهان، وهمدان، وأماكن أخرى. ورغم الاضطرابات السياسية وهجمات القبائل البدوية، واصل أبحاثه العلمية وأنتج العديد من المؤلفات، وقام بتربية عشرات التلاميذ.
أعمال أبو علي ابن سينا وإنجازاته العلمية. لم يقتصر أبو علي ابن سينا على العلم والفلسفة فحسب، بل ساهم أيضًا في الثقافة والفكر الإنساني. كان ابن سينا شخصية علمية واجتماعية وثقافية وجريئة، ولعب دورًا مهمًا في تطوير العلم والتعليم ورفع المستوى الاجتماعي للناس. حارب الخرافات والجهل والمعتقدات الباطلة، واختار طريق الحقيقة والعلم بدلًا من السعي وراء السلطة والمصالح الشخصية. في عصره، كان كثير من الناس يربطون الأمراض بالسحر والشعوذة، لكنه أثبت أن أسباب الأمراض طبيعية. وحتى في أوقات الاضطرابات السياسية والهجمات المتكررة للقبائل التركية، سعى لحماية العلم وترك للناس إرثًا علميًا ثمينًا. وظلت كتبه لقرون مصدرًا رئيسيًا في الطب، واستخدمت في أوروبا حتى القرن الثامن عشر
إرثه العلمي يشمل أكثر من 450 مؤلفًا، وما زال حوالي 240 منها محفوظًا حتى اليوم. تغطي مؤلفاته تقريبًا جميع علوم عصره، ومن أهمها:
1. «القانون في الطب» – أعظم مؤلفاته الطبية، ويتكون من خمسة أجزاء. يشرح فيه أساليب العلاج، والتشريح، والصيدلة، وعلم وظائف الأعضاء. وظل هذا الكتاب تقريبًا 600 عام في أوروبا والشرق يُستخدم كمرجع أساسي في الطب ودليلًا للطب العالمي.
2. «كتاب الشفاء» – واحدة من أعظم الموسوعات العلمية، يشمل مسائل الفلسفة والمنطق وعلوم الطبيعة والرياضيات في عصره.
3. «دانشنامه» – مؤلف قيم باللغة الطاجيكية، يغطي مسائل علمية وفلسفية ومعرفية.
4. «الإشارات والتنبيهات» – كتاب مهم في المنطق والفلسفة.
جميع هذه المؤلفات كتبت باللغتين الطاجيكية والعربية، وما زالت بعض مصادر هذه الكتب تُدرس اليوم في الجامعات والمؤسسات العلمية والتعليمية حول العالم.
الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا هو واحد من أعظم الفلاسفة والعلماء والأطباء والأدباء من الطاجيك والفُرس، وله دور بارز في تطور الحضارة الإنسانية العالمية. بالفعل، المكانة البارزة التي حققها ابن سينا في تاريخ الثقافة الوطنية والبشرية جعلت اسمه عزيزًا وخالدًا لدى شعوب العالم. وبفضل مؤلفاته الخالدة، يظل ابن سينا اليوم معاصرًا ومتوازيًا مع المجتمع الإنساني، إذ أن الحكمة التي تهدي الإنسان إلى الطريق الصحيح وإلى المعرفة الحقيقية للذات تزداد قيمة وأهمية مع مرور الزمن.
حكومة طاجيكستان والشعب الطاجيكي، إكرامًا وتقديرًا لهذا الابن الفذ والمشرف لأمتهم، أطلقوا اسمه على العديد من الشوارع والكليات والمناطق في بلادهم، وأنشأوا جائزة علمية مرموقة تكريمًا له. وتزين تمثاله الكبير أحد أجمل شوارع دوشنبه، مجسّدًا لحكمته وعظم فطنته. ولكن الأعظم من كل ذلك هو احترامه ومكانته في قلوب الناس. وبكلمات العالم الألماني البارز بوركهارد برينتيس: «لقد جسد الطاجيك من خلال مثال ابن سينا الثقافة الرفيعة لشعوب آسيا الوسطى. وهم اليوم لا يزالون يحافظون بعقلانية على إرث ابن سينا، الذي أثر لآلاف السنين على عقل وحكمة أوروبا».